ردي الجواب ففيه الشكر واغتنمي وصل المحب الذي بالحب مشغوف
و رمى بالرقعة إليها، فلما قرأتها كتبت:
إن كنت ذا حسب ذاك و ذا نسب إن الشريف بغض الطرف معروف
إن الزناة أناس لا خلاق لهم فاعلم بأنك يوم الدين موقوف
واقطع رجاك لحاك الله من رجل فإن قلبي عن الفحشاء مصروف
فلما قرأ الرقعة زجر نفسه وقال: أليس امرأة تكون أشجع منك؟ ثم تاب إلى الله [1] .
وهي كذلك بيوت العلم والأدب , فها هو سعيد بن المسيب وهو سيد التابعين وأكثرهم علمًا وفقهًا كانت له ابنة من أحسن النساء وأكثرهن أدبًا وعلمًا وأعلمهن بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فخطبها الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان لأبنه الوليد بن عبد الملك ابن سعيد ولكن سعيد بن المسيب أبىَ أن يُزوجه إياها وزوجها لتلميذ من تلامذته (وهو كثير بن أبي وداعة) وكان فقيرًا فأرسل إليه بخمسة آلاف درهم وقال استنفق هذه فلما جاء الصباح أراد كثير بن وداعة الخروج إلى حلقة سعيد بن المسيب فقالت له: إلى أين؟ قال: إلى حلقة سعيد أتعلم العلم فقالت: اجلس أعلمك علم سعيد بن المسيب فجلس فعلمته [2] .
ثالثًا: تحكيم شرع الله عند الخلاف.
الاختلاف في الطباع والأفكار طبيعة البشر، والاختلاف قد يؤدي إلى الخلاف , ولكن البيت المؤمن يعرف كيف يتعامل مع الخلافات , وذلك بأن يجعل شرع الله تعالى هو الحكم والفيصل في حل الخلاف، لا هوى النفس ولا عُجب الرأي.
ولقد ضرب بيت النبوة أروع الأمثلة في ذلك.
روى أصحاب السنن: أن أبا بكر دخل يستأذن على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوجد الناس جلوسًا ببابه لم يؤذن لأحد منهم، قال: فأذن لأبي بكر، فدخل، ثم أقبل عمر، فاستأذن، فأذن له، فوجد النبي - صلى الله عليه وسلم - جالسًا حوله نساؤه واجمًا ساكتًا، قال: فقال: لأقولن شيئًا أضحك النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا رسول
(1) (ذم الهوى: ابن الجوزي ج 1ص 81) .
(2) الذهبي في سير أعلام النبلاء (4/ 233) .