فهرس الكتاب
والمهاجرين والأنصار [التوبة: 117] إلى قوله: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} [التوبة: 119] فو الله ما أنعم الله على نعمة قط بعد أن هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا فإن الله قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي: {سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم} [التوبة: 95] إلى قوله: {فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين} [التوبة: 96] كعب بن مالك ولد من جديد بعد عفو الله، ودعوة رسول الله له لإبلاغه بالعفو، فكان الحب والصفاء والنور والحياة الطيبة في ظل الطاعة من جديد، إنها الكرامة وهي تستأنف من جديد .... !!
هل أدركتَ معي - أخي القارئ وأنت تستمع لهذه الآية الكريمة {وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ} [الحج: 18] .
أن أعلى وأبهى وأجلى صور كرامة العبد أن يوحّد ربه، وأن يفرده بالعبادة، وأن يترجم ذلك بالسجود لربه، والتذللِ بين يدي مولاه، وخالقِه ورازقه، ومَنْ أمرُ سعادتِه ونجاته وفلاحِه بيده سبحانه وتعالى، يفعلُ ذلك اعترافًا بحق الله، ورجاءً لفضله، وخوفًا من عقابه؟! يخشي عذابه ويرجوا رحمته .. !!
وأن غاية الهوان والذلّ، أن يستنكف العبد عن السجود لربه، أو يشرك مع خالقه إلهًا آخر؟! وتكون الجبال الصم، والشجر، والدواب البُهمُ، خيرًا منه حين سجدت لخالقها وواجدها الحق؟!
وإذا تبيّن هذا فإن هذه القاعدة القرآنية الكريمة: {وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ} جاءت في سياق بيان من هم الذين يستحقون العذاب؟ إنهم الذين أذلوا أنفسهم بالإشراك بربهم، فأذلهم الله بالعذاب، كما قال سبحانه وتعالى: {وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ} فلا يجدون حينها من يكرمهم بالنصر، أو بالشفاعة أو بالعزة أو بالكرامة!
ثم تأمل كيف جاء التعبير عن ضد ذلك بقوله: (فما له من مكرم) فإن لفظ"الكرم لفظ جامع للمحاسن والمحامد، لا يراد به مجرد الإعطاء، بل الإعطاء من تمام معناه، فإن الإحسان إلى الغير تمام المحاسن، والكرم كثرة الخير و يسرته، ... والشيء الحسن المحمود يوصف بالكرم، قال تعالى: {أولم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم} [الشعراء: 7] ، قال ابن قتيبة: من كل جنس حسن، والقرآن قد دل على أن الناس فيهم كريم على الله"