فهرس الكتاب
*بعد غزوة الخندق رجع أبو سفيان إلى مكة وقد أسلم على يد الرسول - صلى الله عليه وسلم- ولما رجع إلى مكة في ليلة الفتح صاح:"يا معشر قريش إني أسلمت فأسلموا، فإن محمد أتاكم بما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن". فأخذت هند رأسه وقالت:"يئس طليعة القوم أنت، والله ما خدشت خدشًا يا أهل مكة عليكم الحميت الدسم فاقتلوه، قبح من طليعة قوم فقال أبو سفيان:"ويلكم لا تغرنكم هذه من أنفسكم، فإنه قد جاءكم ما لا قبل لكم به.
و في اليوم التالي لفتح مكة جاءت هند لزوجها أبي سفيان وقالت:"إنما أريد أن أتبع محمدا فخذني إليه". فقال لها:"قد رأيتك تكرهين هذا الحديث بالأمس". فقالت: إني والله لم أر أن الله قد عبد حق عبادته في هذا المسجد إلا في هذه الليلة، والله إن باتوا إلا مصلين قياما وركوعا وسجودا". فقال لها:"فإنك قد فعلت ما فعلت، فاذهبي برجل من قومك معك، فذهبت إلى عثمان بن عفان فذهب بها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فأسلمت وبايعت.
و أقر رسول الله - صلى الله عليه وسلم- نكاح أبي سفيان وهند، ثم جعلت هند تضرب صنما لها في بيتها بالقدوم حتى فلذته فلذة، وهي تقول:"كنا منك في غرور."
وفي كلمة ابن القيم"ومن ذا يكرم من أهانه الله، أو يهنْ من أكرم؟"إشارة إلى معنى يفهم من هذه الآية: {وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ} وهو أن من أكرمه ربه بطاعته، والانقيادِ لشرعه ظاهرًا وباطنًا، فهو الأعز الأكرم، وإن خاله المنافقون أو الكفار الأمر على خلاف ذلك، كما قال من طمس الله على بصائرهم من المنافقين وأشباههم: {يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [المنافقون: 8] أي .. لا يعلمون من هم أهل العزة حقًا!
فهل يعي ويدرك أهل الإيمان أنهم الأعزة حقًا متى ما قاموا بما أوجب الله عليهم؟
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:"الكرامة في لزوم الاستقامة، واللهُ تعالى لم يكرم عبده بكرامة أعظم من موافقته فيما يحبه ويرضاه وهو طاعته وطاعة رسوله وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه وهؤلاء هم أولياء الله الذين قال الله فيهم: {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} ."