وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضى الله عنه رَفَعَهُ وَأَكْثَرُ مَا كَانَ يُوقِفُهُ أَبُو سُفْيَانَ « يُقَالُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ فَيَضَعُ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَدَمَهُ عَلَيْهَا فَتَقُولُ قَطِ قَطِ » [1] .
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ: يُلْقَى فِي النَّارِ فَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ، حَتَّى يَضَعَ الرَّبُّ جَلَّ وَعَلاَ قَدَمَهُ فِيهَا ، فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ. [2]
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: هَذَا الْخَبَرُ مِنَ الأَخْبَارِ الَّتِي أُطْلِقَتْ بِتَمْثِيلِ الْمُجَاوَرَةِ ، وَذَلِكَ أَنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُلْقَى فِي النَّارِ مِنَ الْأُمَمِ وَالأَمْكِنَةِ الَّتِي عُصِيَ اللَّهُ عَلَيْهَا ، فَلاَ تَزَالُ تَسْتَزِيدُ حَتَّى يَضَعَ الرَّبُّ جَلَّ وَعَلاَ مَوْضِعًا مِنَ الْكُفَّارِ وَالأَمْكِنَةِ فِي النَّارِ ، فَتَمْتَلِئُ فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ ، تُرِيدُ: حَسْبِي حَسْبِي ، لأَنَّ الْعَرَبَ تُطْلِقُ فِي لُغَتِهَا اسْمَ الْقَدَمِ عَلَى الْمَوْضِعِ ، قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلاَ: {لَهُمْ قَدَمُ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ} [يونس: ] ، يُرِيدُ: مَوْضِعَ صِدْقٍ ، لاَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَلاَ يَضَعُ قَدَمَهُ فِي النَّارِ ، جَلَّ رَبُّنَا وَتَعَالَى عَنْ مِثْلِ هَذَا وَأَشْبَاهِهِ. [3]
وعَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « لاَ يَزَالُ يُلْقَى فِيهَا وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ . حَتَّى يَضَعَ فِيهَا رَبُّ الْعَالَمِينَ قَدَمَهُ فَيَنْزَوِى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ ، ثُمَّ تَقُولُ قَدْ قَدْ بِعِزَّتِكَ وَكَرَمِكَ . وَلاَ تَزَالُ الْجَنَّةُ تَفْضُلُ حَتَّى يُنْشِئَ اللَّهُ لَهَا خَلْقًا فَيُسْكِنَهُمْ فَضْلَ الْجَنَّةِ » . [4]
(1) - صحيح البخارى (4849 )
(2) - صحيح ابن حبان - (ج 1 / ص 501) (268) صحيح
(3) - صحيح ابن حبان - (ج 1 / ص 502)
(4) - صحيح البخارى (7384 ) وصحيح مسلم (7358 )
هَذَا الْحَدِيث مِنْ مَشَاهِير أَحَادِيث الصِّفَات ، وَقَدْ سَبَقَ مَرَّات بَيَان اِخْتِلَاف الْعُلَمَاء فِيهَا عَلَى مَذْهَبَيْنِ:
أَحَدهمَا: وَهُوَ قَوْل جُمْهُور السَّلَف وَطَائِفَة مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ: أَنَّهُ لَا يُتَكَلَّم فِي تَأْوِيلهَا بَلْ نُؤْمِن أَنَّهَا حَقّ عَلَى مَا أَرَادَ اللَّه ، وَلَهَا مَعْنَى يَلِيق بِهَا ، وَظَاهِرهَا غَيْر مُرَاد .
وَالثَّانِي: وَهُوَ قَوْل جُمْهُور الْمُتَكَلِّمِينَ أَنَّهَا تُتَأَوَّل بِحَسَبِ مَا يَلِيق بِهَا ، فَعَلَى هَذَا اِخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيل هَذَا الْحَدِيث ، فَقِيلَ: الْمُرَاد بِالْقَدَمِ هُنَا الْمُتَقَدِّم ، وَهُوَ شَائِع فِي اللُّغَة وَمَعْنَاهُ: حَتَّى يَضَع اللَّه تَعَالَى فِيهَا مَنْ قَدَّمه لَهَا مِنْ أَهْل الْعَذَاب ، قَالَ الْمَازِرِيّ وَالْقَاضِي: هَذَا تَأْوِيل النَّضْر بْن شُمَيْلٍ ، وَنَحْوه عَنِ اِبْن الْأَعْرَابِيّ.
الثَّانِي: أَنَّ الْمُرَاد قَدَم بَعْض الْمَخْلُوقِينَ ، فَيَعُود الضَّمِير فِي قَدَمه إِلَى ذَلِكَ الْمَخْلُوق الْمَعْلُوم .
الثَّالِث: أَنَّهُ يُحْتَمَل أَنَّ فِي الْمَخْلُوقَات مَا يُسَمَّى بِهَذِهِ التَّسْمِيَة ، وَأَمَّا الرِّوَايَة الَّتِي فِيهَا ( يَضَع اللَّه فِيهَا رِجْله ) فَقَدْ زَعَمَ الْإِمَام أَبُو بَكْر بْن فَوْرك أَنَّهَا غَيْر ثَابِتَة عِنْد أَهْل النَّقْل ، وَلَكِنْ قَدْ رَوَاهَا مُسْلِم وَغَيْره فَهِيَ صَحِيحَة وَتَأْوِيلهَا كَمَا سَبَقَ فِي الْقَدَم ، وَيَجُوز أَيْضًا أَنْ يُرَاد بِالرِّجْلِ الْجَمَاعَة مِنَ النَّاس ، كَمَا يُقَال: رِجْل مِنْ جَرَاد ، أَيْ: قِطْعَة مِنْهُ ، قَالَ الْقَاضِي: أَظْهَر التَّأْوِيلَات أَنَّهُمْ قَوْم اِسْتَحَقُّوهَا ، وَخُلِقُوا لَهَا ، قَالُوا: وَلَا بُدّ مِنْ صَرْفه عَنْ ظَاهِره ؛ لِقِيَامِ الدَّلِيل الْقَطْعِيّ الْعَقْلِيّ عَلَى اِسْتِحَالَة الْجَارِحَة عَلَى اللَّه تَعَالَى . شرح النووي على مسلم - (ج 9 / ص 230)