وعن أبي سعيد ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: « لسُرادِقُ النَّارِ أربَعَةُ جُدُرٍ ، كِثَفُ كُلِّ جدَارٍ مَسيرَةٌ أربعينَ سنَةً » [1] --السرادق: كل ما أحاط بشيء من حائط أو مضرب أو خباء أو خيمة - الجدر: الحوائط - كثف: غلظ
الثالث: كثرة العدد الذي يأتي بالنار من الملائكة في يوم القيامة ، فقد وصف الرسول - صلى الله عليه وسلم - مجيئ النار يوم القيامة ، الذي يقول الله فيه: {وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى} (23) سورة الفجر ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ زِمَامٍ مَعَ كُلِّ زِمَامٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَهَا » . [2]
ولك أن تتخيل عظم هذا المخلوق الرهيب الذي احتاج إلى هذا العدد الهائل من الملائكة الأشداء الأقوياء الذين لا يعلم مدى قوتهم إلا الله تبارك وتعالى
الرابع: قال أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ثَوْرَانِ عَقِيرَانِ فِي النَّار" [3] "
(1) - صفة النار لابن أبي الدنيا (6 ) حسن
(2) - صحيح مسلم (7343 )
(3) - مسند أبي يعلى الموصلي (4116) ومسند البزار (8696) ومشكل الآثار للطحاوي (160 ) صحيح لغيره
ليس المراد من الحديث ما تبادر إلى ذهن البعض أن الشمس والقمر في النار يعذبان فيها عقوبة لهما ، كلا فإن الله عز و جل لا يعذب من أطاعه من خلقه ومن ذلك الشمس والقمر كما يشير إليه قول الله تبارك وتعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاء*} (18) سورة الحج.فأخبر تعالى أن عذابه إنما يحق على غير من كان يسجد له تعالى في الدنيا ، كما قال الطحاوي ، وعليه فإلقاؤهما في النار يحتمل أمرين:
الأول: أنهما من وقود النار ،قال الإسماعيلي:"لا يلزم من جعلهما في النار تعذيبهما ، فإن لله في النار ملائكة وحجارة وغيرها لتكون لأهل النار عذابا وآلة من آلات العذاب ، وما شاء الله من ذلك فلا تكون هي معذبة".
والثاني: أنهما يلقيان فيها تبكيتا لعبادهما . قال الخطابي:"ليس المراد بكونهما في النار تعذيبهما بذلك ، ولكنه تبكيت لمن كان يعبدهما في الدنيا ليعلموا أن عبادتهم لهما كانت باطلا".
قلت: وهذا هو الأقرب إلى لفظ الحديث ويؤيده أن في حديث أنس عند أبي يعلى -
كما في"الفتح" ( 6 / 214 ) :"ليراهما من عبدهما". و لم أرها في"مسنده"والله تعالى أعلم . وانظر السلسلة الصحيحة - (ج 1 / ص 123) (124)