الصفحة 87 من 213

وأصل ذلك قوله تعالى:"ولا تسبوا الذين يدعون من الله فيسبوا الله عدوًا بغير علم"وقوله -صلى الله عليه وسلم-: لولا قومك حديث عهدهم بكفر لأسست البيت على قواعد إبراهيم"وقوله في تعليل انصرافه عن قتل المنافقين:دعه لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه أخاف أن يتحدث الناس أن محمد يقتل أصحابه"البخاري.

وهكذا فإن الصحابة فهموا مقصد الشارع والمقاصد هي المعاني التي تعتبر حكما وغايات التشريع فتصرفوا طبقا لذلك فهذا أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه يترك تغريب الزانى البكر مع وروده في الحديث حيث قضى عليه الصلاة والسلام بجلده مائة وتغريب سنة وذلك لما شاهد من كون التغريب قد يؤدي إلى مفسدة أكبر وهى اللحاق بأرض العدو وقال لا أغرب مسلما.

وقال أمير المؤمنين علي رضي الله عنه: كفى بالنفي فتنة.

وأيضا فإن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه لمّا تولى الملك أجل تطبيق بعض أحكام الشريعة فلمّا استعجله ابنه في ذلك أجابه بقوله:"أخاف أن أحمل الناس على الحق جملة فيدفعونه جملة ويكون من ذا فتنة". (الموافقات 2/148)

وقد فهم ذلك العلماء فرتبوا عليه أولويات الأمر والنهي فهذا شيخ الإسلام ابن تيمية حينما مر بقوم من التتار يشربون الخمر فنهاهم صاحبه عن هذا المنكر فأنكر عليه ذلك قائلا: إنما حرم الله الخمر لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة وهؤلاء يصدهم الخمر عن قتل النفوس وسبي الذّرية وأخذ الأموال فدعهم . ( إعلام الموقعين 3/13)

وقد قال الشاطبي إنه ينبغي على المجتهد:"النظر فيما يصلح بكل مكلف في نفسه بحسب وقت دون وقت وحال دون حال وشخص دون شخص إذ النفوس ليست في قبول الأعمال الخاصة على وزّان واحد ...فهو يحمل على كل نفس من أحكام النصوص ما يليق بها بناء على أن ذلك هو المقصود الشرعي في تلقي التكاليف". (الموافقات 5/55)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت