الصفحة 78 من 791

كما قال جلّ ثناؤه: (وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) يقول: وإن الكافرين بالله لهم يوم القيامة عذاب مؤلم مُوجع» ..

قال تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} .

قال القرطبى في تفسيره (7/ 137 - 142) «قوله تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ} هذه آية عظيمة عطفها على ما تقدم؛ فإنه لما نهى وأمر حذر هنا عن اتباع غير سبيله، فأمر فيها باتباع طريقه على ما نبينه بالأحاديث الصحيحة وأقاويل السلف. {وَأَنَّ} في موضع نصب، أي واتل أن هذا صراطي. عن الفراء والكسائي. قال الفراء: ويجوز أن يكون خفضا، أي وصاكم به وبأن هذا صراطي. وتقديرها عند الخليل وسيبويه: ولأن هذا صراطي؛ كما قال: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ} [الجن: 18] وقرأ الأعمش وحمزة والكسائي {وَأَنَّ هَذَا} بكسر الهمزة على الاستئناف؛ أي الذي ذكر في الآيات صراطي مستقيما. وقرأ ابن أبي إسحاق ويعقوب {وَأَنْ هَذَا} بالتخفيف. والمخففة مثل المشددة، إلا أن فيه ضمير القصة والشان؛ أي وأنه هذا. فهي في موضع رفع. ويجوز النصب. ويجوز أن تكون زائدة للتوكيد؛ كما قال عز وجل: {فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ} [يوسف: 96] . والصراط: الطريق الذي هو دين الإسلام. {مُسْتَقِيمًا} نصب على الحال، ومعناه مستويا قويما لا اعوجاج فيه. فأمر باتباع طريقه الذي طرقه على لسان نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - وشرعه ونهايته الجنة. وتشعبت منه طرق فمن سلك الجادة نجا، ومن خرج إلى تلك الطرق أفضت به إلى النار. قال الله تعالى: {وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} أي تميل. روى الدارمي أبو محمد في مسنده بإسناد صحيح: أخبرنا عفان حدثنا حماد بن زيد حدثنا عاصم بن بهدلة عن أبي وائل عن عبدالله بن مسعود قال: خط لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوما خطا، ثم قال:"هذا سبيل الله"ثم خط خطوطا عن يمينه وخطوطا عن يساره ثم قال:"هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليها"ثم قرأ هذه الآية. وأخرجه ابن ماجة في سننه عن جابر بن عبدالله قال: كنا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فخط خطا، وخط خطين عن يمينه، وخط خطين عن يساره، ثم وضع يده في الخط الأوسط فقال:"هذا سبيل الله - ثم تلا هذه الآية - {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} . وهذه السبل تعم اليهودية والنصرانية والمجوسية وسائر أهل الملل وأهل البدع والضلالات من أهل الأهواء والشذوذ في الفروع، وغير ذلك من أهل التعمق في الجدل"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت