الله حق جهاده بسلاحين حملهما بيده، أحدهما: السيف والرمح، وثانيهما القرطاس القلم، فكأن أحمد بن الحسين عناه بقوله:
الخيل والليل والبيداء تعرفني ... والسيف والرمح والقرطاس والقلم
إنه شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني. وما يعنينا هنا هو أمر منافحته عن دين الله بقلمه ولسانه، ومناظرته ومقابلته ومقاومته للطوائف الضالة والمبتدعة، وإحاطة اطلاعه على مذاهب القوم، وقوة حجته، الذي كأنه البحر في لجته، وتمكنه من الرد الرصين الذي يزهق معه الباطل ولقد قال فيه ابن الزملكاني إمام الشافعية في زمن ابن تيمية: (كانت الفقهاء من سائر الطوائف إذا جالسوه استفادوا في مذاهبهم منه أشياء، ولا يُعرف أنه ناظر أحدًا فانقطع معه، ولا تكلم في علم من العلوم سواء كان من علوم الشرع أو غيرها إلا فاق فيه أهله)
ولنأخذ نموذجًا واحدًا من قوة حجته وسرعه بديهته، واستحضار جوابه، حين يكون الموقف مستدعيًا لذلك: جاء إنسان إلى الشيخ يومًا بخبز يابس فقال: يا سيدي قد جِبتُ (!) هذا من صِماط الخليل على اسمك فقال له: (مالي به حاجة، أنا حاجتي إلى الدين الذي عليه الخليل، ومتابعة ملة الخليل الذي أمر الله أمه محمد بمتابعتها، مالي حاجة بهذا الخبز، والخليل ما عمل هذا! ولا أمر بهذا العدس! ولا كان يطعم ويضيف غير اللحم، قال تعالى [فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ] وأما العدس فإنه شهوة اليهود. وقد سئل عبد الله بن المبارك - رضي الله عنه - فقيل له: جاء في الحديث أن العدس قدَّسه سبعون نبيًا، فقال:(لا، ولا نصف نبي) !!! (ص 139) من الجامع لسيرة ابن تيمية. ومواضع العجب في هذا الموقف القوي الذكي مايلي:
1 -قوله: أنا حاجتي إلى الدين الذي عليه الخليل! لقوله تعالى [وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ]
2 -قوله: والخليل ما عمل هذا لقوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ]
3 -قوله: وأما العدس فإنه شهوة اليهود، لقوله تعالى: [ .. َادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا .. ]
4 -قوله: ولا كان يطعم ويضيف غير اللحم، واستدلاله بقوله تعالى: [فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ]
5 -إيراده لقول ابن المبارك (لا، ولا نصف نبي) ليبين أن الحديث موضوع مكذوب على رسول الله صلى الله عليه وسلم.