واتته فكرة، وهو ينزع الشوك، قال يحدث نفسه: - «سأذهب إلى دار رباب.. سأُقبل رباب.»
تفحص المكان بعينين ملتهبتين عسى أن يجد مَعْلَمًا يدله على الطريق، كل المعالم مألوفة لديه فهو يحفظها عن ظهر قلب، لكن الغمامة اللعينة أكلتها هذا الصباح. وفيما كان ينفض التراب وبقية الأشواك التي علقت بقميصه، سمع دجاجات تقوقئ بأصوات عالية ونباح كلب عجوز.
انقشع الغيم قليلًا تاركًا فجوة صغيرة، منها انسلَّ ضوء شاحب، ثم تكاثف الغيم من جديد، دون أن يترك فرصة للتعرف على المكان.
بغتة وكالسهم الطائش، مرق كائن حي أمام عود الحنَّاء، وبوثبة سريعة اندفع نحو المدرج الزراعي، واختفى بين الزرع. بين قصب الزرع الفتي جرت مطاردة منهكة. كاد عود الحناء وهو العداء الماهر أن يمسك بالطريدة، التي كانت تلهث وتورغ منهُ كما يروغ الثعلب. ظنها عود الحناء فتاة مختبئة في الطريق وحالما شعرت بوجوده هربت إلى المدرج الزراعي، حيث طعم القبلة، بين الزرع، تحت جنح الغيم، الذُّ من طعمها على قارعة الطريق. كاد الطائر الأبيض أن يحطم قضبان القفص الصدري. جرى عود الحناء بكل ماأوتي من قوة كي يمسك بغزالهِ الشارد، قبل أن ينقشع الغيم.
اندلقت الأشعة دفعة واحدة من مرجل الشمس، فأغمض عود الحناء عينيه، وحينما فتحهما رأى ثعلبًا أغبر في المدرج الزراعي الأسفل.. «ثعلب!!.» أحس بخيبة الأمل، تنهد وهو يلهث. من كان يطارده، ليس بنتًا إذًا، بل ثعلبًا!!.
كتم ضحكة مجنونة كادت تنفلت من معقلها.
كان الثعلب يحمل دجاجة رقشاء بين فكيه. عرفها عود الحناء.. «إنها دجاجة رباب البياضة، هذا هو العدو الماكر الذي أجهز على معظم دجاج القرية في الأيام السابقة»
سار عود الحناء على ركبتيه إلى حرف المدرج، وأخذ حجرة مدببة، وانتظر.
حاول الثعلب أن يتسلق الجدار العالي أكثر من مرة، بيد أن حملهُ كان ثقيلًا. عندئذٍ أدرك عود الحناء أن الثعلب أصبح محاصرًا ولامخرج له إلاَّ إذا قفز وتجاوز الجدار ليصلَ إلى الطريق. أطلق عود الحناء صوتًا شبيهًا بصوت ثعلب جبلي. استراح الثعلب قليلًا وكأنه أدرك أن من كان يطارده ليس إنسانًا، بل أحد أبناء جنسه، وهاهو الآن يختبئ بين الزرع حتى تواتيه الفرصة فينقض ويخطف الدجاجة، لذلك لاذ بالصمت ولم يرد على صوت عود الحناء الثعلبي. كيف يرد والصيد السمين بين فكيه؟!..