كم هو مسكين ذلك الرجل الأعمى الذي يعيش عالة على يد تمتد إليه لتهديه الطريق أو لتطعمه أو لتسقيه . وكم هو محزن منظر ذلك الأصم الذي يدير رأسه بين الناس هنا وهناك محاولًا فهم كلمة واحدة ولكن بدون جدوى . ولكَمْ دمعت العين لرؤية ذلك المصاب الذي يعيش غائبًا عن الوعي في غرف العناية المركزة وأهله ينتظرون وفاته كل يوم .
وأما نحن فمتقلِّبون بنعم عظيمة لا حول لنا فيها ولا قوة، وإنما هي محض فضل من الله تبارك وتعالى علينا . فهل شكرنا هذه النعم بتسخيرها لطاعة الله تعالى؟ أم كفرناها فصيَّرناها سيوفًا نحارب بها الله الذي منّ بها علينا؟ .
هنّ سيشهدن
إن هذه الجوارح التي مَنّ الله تعالى بها عليّ وعليك، هي اليوم نِعَم، وغدًا ستكون خصمك الشاهد عليك عند الله تعالى، ولن تُخفي من عوراتك شيئًا .
وكيف تخفي وتكتم والله سينطقها، قال تعالى: { إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أولئِكَ كَانَ عَنهُ مَسْئُولًا } [ الإسراء: 36 ] ، وقال: { يَومَ تَشهَدُ عَلَيهِم أَلسِنَتُهُم وَأَيدِيهِم وَأَرجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعمَلُونَ (24) يَومَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللهُ دِينَهُمُ الحَق وَيَعلَمُونَ أَن اللهَ هُوَ الحَق المُبِينُ } [ النور: 24،25] ، وقال أيضًا: { اليَومَ نَختِمُ عَلَى أَفواهِهِم وَتُكَلمُنَا أَيدِيهِم وَتَشهَدُ أَرجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَكسِبُونَ (65) } [ يس: 65 ] .