فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 46

فلسفية محضة كما فعل فيلو الفيلسوف اليهودي ولتجردت العقيدة حينئذ من كل فائدة روحية وأدبية تفيد النفس . ولكن الواقع أن دعوة الله والكلمة أبا وابنا متحدين بروحهما المتبادل قد دفع الإنسان إلى البر والقداسة في المعيشة العائلية وأراه معنى جديدا للمحبة والمشاركة في الأفكار بشرط أن يفسح لهذه الأفكار مجالا رحبا في القلب أيضا ولا يقصره على العقل فقط .

ونرى مما تقدم أننا قد دفعنا نصف الاعتراض الثاني أيضا وهو القائل بأن الأبوة والبنوة تقتضيان التتابع الزمني وأنه بناء على ذلك لا يكون الابن أزليا كالأب بل يكون قد وجد بعده وأن الله أصبح (ولم يكن في الأزل) أبا . ولكن قولنا أن التوالد دون الأبوة لا علاقة له بكائن روحي يقتضي الاعتقاد بأنه لا محل للقول بالتتابع . فإذا حصرنا أفكارنا في الوجهة الأدبية فقط من الأبوة والبنوة مجردتين من التوالد نجدهما متبادلتين متلازمتين وبعبارة أخرى أنها متعاصرتان . وباعتبار الله أزليتان . فإذا سلمنا بأن في الله انتسابات أزلية لم تبق صعوبة في استعمال لفظتي أب وابن في الكلام عن الله وكلمته باعتبار أدبي محض وهذان الآب والابن هما متحدان بروحهما المتبادل أي الروح القدس .

ورب معترض يقول ألا تعلمون أن مسألة الأبوة والبنوة باعتبار الله عثرة في سبيل المسلمين . ونفورهم من مثل هذا المعتقد يجري مجرى الدم في عروقهما فليس من الحكمة استعمال ألفاظ (كالأب والابن) لا يدركها الجميع مع أنها لم توضع في الأصل إلا كرمز إلى حقيقة أزلية لا بمعنى أنها الحقيقة بكاملها . أما الآن فإن استعمال هذه الألفاظ يفضي إلى عكس المقصود فلماذا لا يعدل عنها إلى ألفاظ أخرى أكثر موافقة وأدل على الحقيقة ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت