فهرس الكتاب
مما يكاد يجمع حوله جل علماء اللغة والأدب المحدثين أنه لا يمكن عزل النص عن سياقه الحيوي الذي نشأ في أجوائه وتأثر بمناخه المعرفي، بل لولوج فضاء النص العام وتفكيك بنيتة تفكيكًا يبرز الأصول التي تتحكم في نتاج العصر المعرفي والإضافات التي جاء النص بها وأبعادها الفلسفية، وجب مراعاة الروافد المعرفية التي أفاد النص منها أو اتخذ موقفًا إزاءها يقول مطاع الصفدي:"لا يمكن تأويل نص إلا باسترجاع السياق اللغوي والبيئي والانثربولوجي العام الذي نما وترعرع النص فيه" [1] ، ثم إن مفهوم التراث المعرفي لا ينحصر زمانيًا في الماضي، وإنما المفهوم الحديث الذي بلوره غادامير (Hans - Gorg Gadamer) هو امتزاج التراث مع ذاتية الباحث عنه والملتمس لأسس بنائه، وهذا التراث الحاصل كل مشكل من جدلية الحاضر مع الماضي، فلا وجود لتراث ساكن لأنه لا جدوى منه وإنما الفهم المعاصر المتوافق وكينونتنا الراهنة هو الذي يعطي للتراث أبعاده وذلك بما يتحدد على أساسه من رواسب ثقافية محمولة في وعاء لغوي، ومعنى ذلك أن مساءلتنا للتراث العربي تقوم على أساس من الحوار العادل إذ يتحول التراث إلى ذات محاورة تمتلك رواسبها الثقافية ذات أبعاد معرفية وفلسفية، وتقوم ذاتنا المحملة بمعارف مسبقة تشتمل كل خصائص الوجود الثقافي العلمي الراهن وبذلك ينتفي أي تسلط من أي طرف، وتتغير نظرتنا إلى اللغة الحاملة للفكر التراثي عن كونها كومة رموز خالية من أي عمق دلالي ذلك:"إن إرجاع النص إلى مجرد كومة رموز لاعمق دلالي وراءها هو منهج مادي ساذج، يريد أن يناقض المنهج التجريدي الساذج كذلك الذي يجرد عالم الدلالات بمعزل عن النص وسياقه الحيوي الذي قيل أو خط ضمن إطاره [2] ،"
(1) استراتيجية التسمية، التأويل وسؤال التراث ـ مجلة الفكر العربي المعاصر ص 4 ـ عدد 30/31ـ 1984.
(2) مطاع الصفدي، المرجع السابق، ص 4-5..