فهرس الكتاب

الصفحة 166 من 348

أما الدلالة بالنصبة أو الحال، فهي في حقيقتها امتداد للدلالة بالإشارة لأنها دلالة كل صامت أو ماكان في حكمه من جماد أو إنسان أو حيوان، فصورته المرئية أو المسموعة تحمل مدلولات ترتبط بشكل علائقي مع دوالها. وبذلك يكون الجاحظ قد نظر إلى عالم الإشارة نظرة شاملة وهو في ذلك يستلهم أحكامه من القرآن الكريم، الذي جعل الله فيه كل شيء هو آية أو علامة من علامات الكون الفسيح ودليل من دلائلية ألوهيته وربوبيته ـ عزَّ وجلَّ ـ يقول الجاحظ:"وأما النصبة فهي الحال الناطقة بغير اللفظ والمشيرة بغير اليد، وذلك ظاهر في خلق السموات والأرض، وفي كل صامت وناطق، وجامد ونام ومقيم، وظاعن وزائد وناقص. فالدلالة التي في الموت الجامد. كالدلالة التي في الحيوان الناطق. فالصامت ناطق من جهة الدلالة والعجماء معربة من جهة البرهان" [1] . إن البلاغة عند الجاحظ ـ إذن ـ تهدف إلى تحقيق غاية من الكلام البشري تتلخص في حسن الإبلاغ بوسائل مختلفة ذات نسق تنظيمي محكم، وهو بذلك يؤسس لمفاهيم لسانية ودلالية تتوخى الشمولية في التناول، منطلقاتها شروط توصيل الدلالة كما يقصد إليها المتكلم مع وعي دقيق بأوضاع المستمع المتلقي، وأجوائه النفسية والحالية العامة. يقول الجاحظ ملخصًا ذلك كله:"وعلى قدر وضوح الدلالة وصواب الإشارة وحسن الاختصار ودقة المدخل يكون إطار المعنى" [2] .. ويحصل ثمة الإبلاغ بتوافر سمات تعود إلى الإشارة وإلى طريق تأديتها من دقة الاختيار وتناسبها مع المعنى المؤدي، دون النظر إلى أداة ذلك من أدوات البيان الخمس.

(1) المصدر نفسه، ص 86.

(2) المصدر نفسه، ص 89.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت