ص -30- يوضحه أنه إذا جازت مهادنتهم للمصلحة بغير مال ولا منفعة تحصل للمسلمين فلأن يجوز أخذ المال منهم على وجه الذل والصغار وقوة المسلمين أولى وهذا لا خفاء به.
يوضحه أن عبدة الأوثان إذا كانوا أمة كبيرة لا تحصى كأهل الهند وغيرهم حيث لا يمكن استئصالهم بالسيف فإذلالهم وقهرهم بالجزية أقرب إلى عز الإسلام وأهله وقوته من إبقائهم بغير جزية فيكونون أحسن حالا من أهل الكتاب.
وسر المسألة أن الجزية من باب العقوبات لا أنها كرامة لأهل الكتاب فلا يستحقها سواهم.
وأما من قال: إن الجزية عوض عن سكني الدار - كما يقوله أصحاب الشافعي - فهذا القول ضعيف من وجوه كثيرة سيأتي التعرض إليها فيما بعد إن شاء الله تعالى.
قال:وا: ولأن القتل إنما وجب في مقابلة الحراب لا في مقابلة الكفر ولذلك لا يقتل النساء ولا الصبيان ولا الزمنى1 والعميان ولا الرهبان الذين لا يقاتلون بل نقاتل من حاربنا.
وهذه كانت سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أهل الأرض. كان يقاتل من حاربه إلى أن يدخل في دينه أو يهادنه أو يدخل تحت قهره بالجزية وبهذا كان يأمر سراياه وجيوشه إذا حاربوا أعداءهم كما تقدم من حديث بريدة2. فإذا ترك الكفار محاربة أهل الإسلام وسالموهم وبذلوا لهم الجزية عن يد وهم صاغرون كان في ذلك مصلحة لأهل الإسلام وللمشركين.
أما مصلحة أهل الإسلام فما يأخذونه من المال الذي يكون قوة للإسلام مع صغار الكفر وإذلاله وذلك أنفع لهم من ترك الكفار بلا جزية.
وأما مصلحة أهل الشرك فما في بقائهم من رجاء إسلامهم إذا شاهدوا أعلام الإسلام وبراهينه أو بلغتهم أخباره فلا بد أن يدخل في الإسلام بعضهم: وهذا أحب إلى الله من قتلهم والمقصود إنما هو أن تكون كلمة الله هي العليا ويكون الدين كله
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أصحاب المرض الدائم.
2 انظر في"وصاته صلى الله عليه وسلم"لأمراء"الجيوش"ص 24.