فهرس الكتاب
ص -29- الفطرة الأولى التي فطر الناس عليها فقال: له الميموني الفطرة الدين قال: نعم .وقد نص في غير موضع أن الكافر إذا مات أبواه أو أحدهما حكم بإسلامه واستدل بالحديث كل مولود يولد على الفطرة ففسر الحديث بأنه يولد على فطرة الإسلام كما جاء ذلك مصرحا به في الحديث ولو لم يكن ذلك معناه عنده لما صح استدلاله بعد في بعض ألفاظه"ما من مولود إلا يولد على هذه الملة".
وأما قول أحمد في مواضع أخر يولد على ما فطر عليه من شقاوة أو سعادة فلا تنافي بينه وبين قوله إنها الدين فإن الله سبحانه قدر الشقاوة والسعادة وكتبهما وإنها تكون بالأسباب التي تحصل بها كفعل الأبوين فتهويدهما وتنصيرهما وتمجيسهما هو بما قدره الله تعالى والمولود يولد على الفطرة مسلما ويولد على أن هذه الفطرة السليمة قد يغيرها الأبوان كما قدر الله ذلك وكتبه كما مثل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله:"كما تنتج البهيمة جمعاء1 هل تحسون فيهما من جدعاء".2فبين أن البهيمة تولد سليمة ثم يجدعها الناس وذلك أيضا بقضاء الله وقدره فكذلك المولود يولد على الفطرة مسلما ثم يفسده أبواه
وإنما قال أحمد وغيره: ولد على ما فطر عليه من شقاوة وسعادة لأن القدرية كانوا يحتجون بهذا الحديث على أن الكفر والمعاصي ليست بقدر الله بل بما فعله الناس لأن كل مولود يولد على الفطرة وكفره بعد ذلك من الناس ولهذا لما قيل لمالك إن القدرية يحتجون علينا بأول الحديث، قال: احتجوا عليهم بآخره وهو قوله:"الله أعلم بما كانوا عاملين".
فبين الأئمة أنه لا حجة فيه للقدرية فإنه لم يقل إن الأبوين خلقا تهويده وتنصيره والقدرية لا تقول ذلك بل عندهم أنه تهود وتنصر باختياره ولكن كان الأبوان سببا في حصول ذلك بالتعليم والتلقين وهذا حق لا يقتضي نفي القدر السابق من العلم والكتاب والمشيئة بل ذلك مضاف إلى الله تعالى علما وكتابة ومشيئة وإلى الأبوين تسببا وتعليما وتلقينا وإلى للشيطان