فهرس الكتاب
ص -72- وجماع ذلك: أنه لابد له في الأمر من أصلين، ولابد له في القدر من أصلين .
ففي الأمر عليه الاجتهاد في الامتثال علما وعملا، فلا تزال تجتهد في العلم بما أمر الله به والعمل بذلك .
ثم عليه أن يستغفر ويتوب من تفريطه في المأمور وتعديه الحدود .
ولهذا كان من المشروع أن يختم جميع الأعمال بالاستغفار، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثًا، وقد قال الله تعالى: {وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ } [ آل عمران: 17 ] ، فقاموا بالليل وختموه بالاستغفار، وآخر سورة نزلت قول الله تعالى: {إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا } [ سورة النصر ] . وفي الصحيح أنه كان صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول: في ركوعه وسجوده:"سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفرلي"يتأول القرآن .
وأما في القدر فعليه أن يستعين بالله في فعل ما أمر به، ويتوكل عليه ويدعوه، ويرغب إليه، ويستعيذ به، ويكون مفتقرًا إليه في طلب الخير وترك الشر .
وعليه أن يصبر على المقدور، ويعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وإذا آذاه الناس علم أن ذلك مقدر عليه .
ومن هذا الباب احتجاج آدم وموسى لما قال: يا آدم، أنت أبو البشر خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة ؟ فقال له آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله بكلامه فبكم وجدت مكتوبًا على من قبل أن أخلق: {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى } [ طه: 121 ] ؟ قال: بكذا وكذا، فحج آدم موسى .
وذلك أن موسى لم يكن عتبه لآدم لأجل الذنب، فإن آدم قد كان تاب منه، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، ولكن لأجل المصيبة التي لحقتهم من ذلك .
وهم مأمورون