الصفحة 24 من 142

ص -14- القدرة والتخصيص، دل على الإرادة والإحكام، دل على العلم، وهذه الصفات مستلزمة للحياة، والحي لا يخلو عن السمع، والبصر والكلام، أو ضد ذلك قال له سائر أهل الإثبات: لك جوابان: أحدهما أن يقال: عدم الدليل المعين لا يستلزم عدم المدلول المعين، فهب أن ما سلكت من الدليل العقلي لا يثبت ذلك، فإنه لا ينفيه، وليس لك أن تنفيه بغير دليل، لأن النافي عليه الدليل، كما على المثبت والسمع، قد دل عليه ولم يعارض، ذلك معارض عقلي، ولا سمعي، فيجب إثبات ما أثبته الدليل السالم عن المعارض .

المقام الثاني أن يقال: يمكن إثبات هذه الصفات، بنظير ما أثبت به تلك من العقليات، فيقال نفع العباد بالإحسان إليهم، دل على الرحمة، كدلالة التخصيص على المشيئة، وإكرام الطائعين يدل على محبتهم وعقاب الكافرين، يدل على بغضهم، كما قد ثبت بالشهادة والخبر: من إكرام أوليائه وعقاب أعدائه، والغايات المحمودة في مفعولاته ومأموراته - وهي ما تنتهي إليه مفعولاته ومأموراته من العواقب الحميدة - تدل على حكمته البالغة، كما يدل التخصيص على المشيئة، وأولى لقوة العلة الغائية، ولهذا كان ما في القرآن من بيان ما في مخلوقاته من النعم والحكم، أعظم مما في القرآن من بيان ما فيها من الدلالة على محض المشيئة، وإن كان المخاطب ممن ينكر الصفات ويقر بالأسماء كالمعتزلي الذي يقول: إنه حي عليم قدير، وينكر أن يتصف بالحياة والعلم والقدرة، قيل له: لا فرق بين إثبات الأسماء، وإثبات الصفات فإنك إن قلت: إثبات الحياة والعلم والقدرة يقتضي تشبيهًا أو تجسيمًا، لأنا لا نجد في الشاهد متصفًا بالصفات إلا ما هو جسم قيل لك: ولا نجد في الشاهد ما هو مسمى حي عليم قدير إلا ما هو جسم، فإن نفيت ما نفيت لكونك لم تجده في الشاهد إلا للجسم، فانف الأسماء بل وكل شيء لأنك لا تجده في الشاهد إلا للجسم، فكل ما يحتج به من نفي الصفات يحتج به نافي الأسماء

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت