فهرس الكتاب
ص -23- كالذين قالوا لا يتكلم، أو لا يرى، أو ليس فوق العالم، أو لم يستو على العرش، ويقولون: ليس بداخل العالم ولا خارجه، ولا مباينًا للعالم ولا محايثًا له، إذ هذه الصفات يمكن أن يوصف بها المعدوم، وليست هي صفة مستلزمة صفة ثبوت، ولهذا قال [ محمود بن سبكتكين ] لمن ادعى ذلك في الخالق: ميز لنا بين هذا الرب الذي تثبته وبين المعدوم . وكذلك كونه لا يتكلم، أو لا ينزل ليس في ذلك صفة مدح ولا كمال، بل هذه الصفات فيها تشبيه له بالمنقوصات أو المعدومات، فهذه الصفات منها ما لا يتصف به إلا المعدوم، ومنها ما لا يتصف به إلا الجمادات والناقص، فمن قال: لا هو مباين للعالم، ولا مداخل للعالم فهو بمنزلة من قال: لا هو قائم بنفسه، ولا بغيره، ولا قديم، ولا محدث، ولا متقدم، على العالم، ولا مقارن له، ومن قال: إنه ليس بحي ولا ميت، ولا سميع ولا بصير، ولا متكلم، لزمه أن يكون ميتًا أصم أعمى أبكم .
فإن قال: العمى عدم البصر عمًا من شأنه أن يقبل البصر، وما لم يقبل البصر، كالحائط لا يقال له أعمى ولا بصير، قيل له: هذا اصطلاح اصطلحتموه، وإلا فما يوصف بعدم الحياة والسمع والبصر والكلام، يمكن وصفه بالموت والعمى والخرس والعجمة، وأيضًا فكل موجود يقبل الاتصاف بهذه الأمور ونقائضهًا، فإن الله قادر على جعل الجماد حيًا، كما جعل عصى موسى حية ابتلعت الحبال والعصي، وأيضًا فالذي لا يقبل الاتصاف بهذه الصفات أعظم نقصًا ممن لا يقبل الاتصاف بها مع اتصافه بنقائضها، فالجماد الذي لا يوصف بالبصر ولا العمى ولا الكلام ولا الخرس، أعظم نقصًا من الحي الأعمى الأخرس فإذا قيل: أن الباري لا يمكن اتصافه بذلك: كان في ذلك من وصفه بالنقص أعظم؛ مما إذا وصف بالخرس والعمى والصمم ونحو ذلك، مع أنه إذا جعل غير قابل لها كان تشبيهًا له بالجماد الذي لا يقبل الاتصاف بواحد منها . وهذا تشبيه بالجمادات، لا بالحيوانات، فكيف من