فهرس الكتاب
ص -35- بالغيب الذي اختص به من الجنة والنار، علمنا معنى ذلك وفهمنا ما أريد منا فهمه، بذلك الخطاب وفسرنا ذلك، وأما نفس الحقيقة المخبر عنها، مثل التي لم تكن بعد، وإنما تكون يوم القيامة فذلك من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله .
ولهذا لما سئل مالك وغيره من السلف عن قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى } [ طه: 5 ] . قالوا: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وكذلك قال ربيعة شيخ مالك قبله: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، ومن الله البيان، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا الإيمان، فبين أن الاستواء معلوم، وإن كيفية ذلك مجهول، ومثل هذا يوجد كثيرا في كلام السلف، والأئمة ينفون علم العباد بكيفية صفات الله، وأنه لا يعلم كيف الله إلا الله، فلا يعلم ما هو إلا هو، وقد قال النبي:"لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك"وهذا في صحيح مسلم وغيره وقال في الحديث الآخر:"اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك"وهذا الحديث في المسند، وصحيح أبي حاتم، وقد أخبر فيه أن لله من الأسماء ما استأثر به في علم الغيب عنده، فمعاني هذه الأسماء التي استأثر بها في علم الغيب عنده لا يعلمها غيره . والله سبحانه أخبرنا أنه عليم قدير، سميع بصير، غفور رحيم، إلى غير ذلك من أسمائه وصفاته .
فنحن نفهم معنى ذلك ونميز بين العلم والقدرة، وبين الرحمة والسمع والبصر، ونعلم أن الأسماء كلها اتفقت في دلالتها على ذات الله، مع تنوع معانيها فهي متفقة متواطئة من حيث الذات، متباينة من جهة الصفات، وكذلك أسماء النبي صلى الله عليه وسلم، مثل محمد وأحمد والماحي والحاشر والعاقب . وكذلك أسماء القرآن مثل القرآن والفرقان والهدى والنور والتنزيل والشفاء، وغير ذلك، ومثل هذه الأسماء تنازع الناس