فهرس الكتاب
ص -48- من وصفه بالاستواء والنزول، والإتيان والمجىء، أو بالوجه واليد ونحو ذلك، إذا قالوا: هذا يقتضي التجسيم لأنا لا نعرف ما يوصف بذلك إلا ما هو جسم . قالت لهم المثبتة: فأنتم قد وصفتموه بالحياة والعلم والقدرة، والسمع والبصر والكلام، وهذا هكذا، فإذا كان هذا لا يوصف به إلا الجسم فالآخر كذلك، وإن أمكن أن يوصف بأحدهما ما ليس بجسم فالآخر كذلك، فالتفريق بينهما تفريق بين المتماثلين .
ولهذا لما كان الرد على من وصف الله تعالى بالنقائص بهذه الطريق طريقًا فاسدًا، لم يسلكه أحد من السلف والأئمة، فلم ينطق أحد منهم في حق الله بالجسم لا نفيًا ولا إثباتًا، ولا بالجوهر والتحيز ونحو ذلك؛ لأنها عبارات مجملة، لا تحق حقًا، ولا تبطل باطلًا .
ولهذا لم يذكر الله في كتابه، فيما أنكره على اليهود وغيرهم من الكفار، ما هو من هذا النوع، بل هذا هو من الكلام المبتدع، الذي أنكره السلف والأئمة .
فصل
وأما في طرق الإثبات، فمعلوم أيضًا أن المثبت لا يكفي في إثباته مجرد نفي التشبيه، إذ لو كفي في إثباته مجرد نفي التشبيه لجاز أن يوصف سبحانه من الأعضاء والأفعال، بما لا يكاد يحصى مما هو ممتنع عليه مع نفي التشبيه، وأن يوصف بالنقائص التي لا تجوز عليه مع نفي التشبيه .
كما لو وصفه مفتر عليه بالبكاء والحزن، والجوع والعطش، مع نفي التشبيه . وكما لو قال المفترى: يأكل لا كأكل العباد، ويشرب لا كشربهم، ويبكي ويحزن لا كبكائهم ولاحزنهم،كما يقال: يضحك لا كضحكهم، ويفرح لا كفرحهم، ويتكلم لا ككلامهم، ولجاز أن يقال: له أعضاء كثيرة لا كأعضائهم، كما قيل: له وجه لا كوجوههم، ويدان لا كأيديهم . حتى يذكر المعدة والأمعاء والذكر، وغير ذلك مما يتعالى الله عز وجل عنه، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا .
فإنه يقال لمن نفي ذلك مع إثبات الصفات الخبرية وغيرها من الصفات: ما الفرق بين هذا وما أثبته إذا