فهرس الكتاب
ص -49- السمع، فما جاء به السمع أثبته دون ما لم يجئ به السمع .
قيل له أولا: السمع هو خبر الصادق عما هو الأمر عليه في نفسه، فما أخبر به الصادق فهو حق من نفي أو إثبات، والخبر دليل على المخبر عنه، والدليل لا ينعكس، فلا يلزم من عدمه عدم المدلول عليه، فما لم يرد به السمع يجوز أن يكون ثابتًا في نفس الأمر، وإن لم يرد به السمع، إذا لم يكن نفاه .
ومعلوم أن السمع لم ينف هذه الأمور بأسمائها الخاصة، فلابد من ذكر ما ينفيها من السمع، وإلا فلا يجوز حينئذ نفيها كما لا يجوز إثباتها .
وأيضًا، فلابد في نفس الأمر من فرق بين ما يثبت له وينفي، فإن الأمور المتماثلة في الجواز، والوجوب، والامتناع يمتنع اختصاص بعضها دون بعض، في الجواز والوجوب والامتناع، فلابد من اختصاص المنفي عن المثبت بما يخصه بالنفي، ولابد من اختصاص الثابت عن المنفي بما يخصه بالثبوت .
وقد يعبر عن ذلك بأن يقال: لابد من أمر يوجب نفي ما يجب نفيه عن الله، كما أنه لابد من أمر يثبت له ما هو ثابت، وإن كان السمع كافيًا كان مخبرًا عما هو الأمر عليه في نفسه، فما الفرق في نفس الأمر بين هذا وهذا ؟
فيقال: كلما نفي صفات الكمال الثابتة للّه فهو منزه عنه، فإن ثبوت أحد الضدين يستلزم نفي الآخر، فإذا علم أنه موجود واجب الوجود بنفسه، وأنه قديم واجب القدم، علم امتناع العدم والحدوث عليه، وعلم أنه غني عما سواه .
فالمفتقر إلى ما سواه في بعض ما يحتاج إليه لنفسه، ليس هو موجودًا بنفسه، بل بنفسه وبذلك الآخر الذي أعطاه ما تحتاج إليه نفسه فلا يوجد إلا به .
وهو سبحانه غني عن كل ما سواه، فكل ما نافي غناه فهو منزه عنه، وهو سبحانه قدير قوي، فكل ما نافي قدرته وقوته فهو منزه عنه، وهو سبحانه حي قيوم، فكل ما نافي حياته وقيوميته فهو منزه عنه .
وبالجملة، فالسمع قد أثبت له من الأسماء الحسنى وصفات الكمال ما قد ورد، فكل ما ضاد ذلك فالسمع