فهرس الكتاب
ص -64- فما يمكن أحد قط أن ينقل عن واحد من السلف ما يدل ـ لا نصًا ولا ظاهرًا ـ أنهم كانوا يعتقدون أن اللّه ليس فوق العرش، ولا أن اللّه ليس له سمع ولا بصر، ولا يد حقيقية .
وقد رأيت هذا المعنى ينتحله بعض من يحكيه عن السلف، ويقولون: إن طريقة أهل التأويل هي في الحقيقة طريقة السلف ـ بمعنى أن الفريقين اتفقوا على أن هذه الآيات والأحاديث لم تدل على صفات اللّه ـ سبحانه وتعالى ـ ولكن السلف أمسكوا عن تأويلها، والمتأخرون رأوا المصلحة في تأويلها، لمسيس الحاجة إلى ذلك، ويقولون: الفرق بين الطريقين أن هؤلاء قد يعينون المراد بالتأويل، وأولئك، لايعينون لجواز أن يراد غيره .
وهذا القول على الإطلاق كذب صريح على السلف . أما في كثير من الصفات فقطعًا: مثل أن اللّه ـ تعالىـ فوق العرش، فإن من تأمل كلام السلف المنقول عنهم ـ الذي لم يحك هنا عشره ـ علم بالاضطرار أن القوم كانوا مصرحين بأن اللّه فوق العرش حقيقة، وأنهم ما اعتقدوا خلاف هذا قط، وكثير منهم قد صرح في كثير من الصفات بمثل ذلك .
واللّه يعلم أني بعد البحث التام، ومطالعة ما أمكن من كلام السلف، ما رأيت كلام أحد منهم يدل ـ لا نصًا، ولا ظاهرًا، ولا بالقرائن ـ على نفي الصفات الخبرية في نفس الأمر، بل الذي رأيته أن كثيرًا من كلامهم يدل ـ إما نصًا وإما ظاهرًا ـ على تقرير جنس هذه الصفات، ولا أنقل عن كل واحد منهم إثبات كل صفة؛ بل الذي رأيته أنهم يثبتون جنسها في الجملة، وما رأيت أحدًا منهم نفاها .
وإنما ينفون التشبيه، و ينكرون على المشبهة الذين يشبهون اللّه بخلقه، مع إنكارهم على من ينفي الصفات أيضًا؛ كقول نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري: من شبه اللّه بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف اللّه به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف اللّه به نفسه ولا رسوله تشبيها .
وكانوا إذا رأوا الرجل قد أغرق في نفي التشبيه من غير إثبات الصفات قالوا: هذا جهمي