فهرس الكتاب
ص -181- وقال عز وجل: {أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ} الآية هذا من قريب ما يستدركه العاقل من وجوه الأدله من غير كثير استقصاء في فعل ومعاناة بدقيق فكر وذلك أنه خطاب للعرب ومن سنة العربي أن يركب راحلته فيسير عليها فيما قرب من الأرض باغيا حاجته وفيما يعد عنها ضاغنا في السفر في الحال يكثر في بلادهم فإذا خلا بالمكان لم ير إلا سماءا فوقه وأرضا تحته وجبلا عن يمينه وجبلا عن شماله ومطية هو راكبها فإذا تأمل هذه الأشياء استبان فيها أثر الصنعة ولطف الحكمة مما جمع الله من المرافق فيها أن صانعها لطيف خبير عالم قدير حكيم عليم وقد قيل إن الإبل خصت بالذكر من بين سائر الحيوان وذلك أن الأنعام ضروبها أربعة حلوبة وركوبة وأكولة وحمولة والإبل تجمع هذه الخلال كلها.
وقال سبحانه وتعالى {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} فذكر خلق السماوات بما فيها من الشمس والقمر والنجوم وسيرها في أفلاكها الذي يختلف الليل والنهار به ويتبين زيادتهما ونقصانهما ودخول أحدهما على الآخر وأخذ بعضها من بعض: فيكون بها انقسام فصول السنة وتعاقب الحر والبرد الذين بأحدهما لقاح الشجر وبالآخر نضج الثمار وذكر الله (الأرض) التي هي مسكن الحيوان والدواب وفيها قرار البحار التي تجمع المياه التي تحمل السفن والفلك وذكر (الريح) التي تنشئ السحاب وتجريها إلى حيث أذن لها أن تمطر فيحيي بها البلاد والزرع والأنعام وبها يجري الفلك والسفن في البحار فتصلح بهذه الأمور معايش الناس وتكثر بها