فهرس الكتاب
ص -64- الوجه الثاني والثلاثون: أن القوم مع سائر أهل السنة يقولون إن حقيقة الباري غير معلومة للبشر ولهذا اتفقوا على ما اتفق عليه السلف من نفي المعرفة بماهيته وكيفية صفاته ثم جمهورهم يقول ما يقوله السلف من نفي المعرفة بالكيفية ويقولون: لا تجري ماهيته في مقال ولا تخطر كيفيته بمثال ومنهم من يقول كما يقوله طوائف من النفاة المعتزلة وغيرهم إنه لا ماهية له فتجري في مقال ولا كيفية له فتخطر ببال فلا يحيط أحد من المخلوقين على حقيقة ذاته ولا يبلغ قدره غيره كما في الدعاء المأثور"يا من لا يعلم ما هو إلا هو"بل قد قال في الجنة:"أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر بله ما أطلعكم عليه"وتصديق ذلك في كتابه حيث قال: {فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ} فهم لا يحيطون علما بكنه عامة المخلوقات فكيف يحيطون علما بكنه الخالق تعالى وقد قال تعالى: {وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} وفي الصحيح عن ابن عباس عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم إن الخضر الذي قال الله عنه: {فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا} قال لموسى الذي كلمه الله تكليما:"ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كما نقص هذا العصفور من هذا البحر"لما ركب في السفينة وقد وقف عليها عصفور فنقر في البحر نقرة وفي صحيح مسلم عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في سجوده وروى أنه كان يقوله في قنوته أيضا:"اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك"فإذا كان أعلم الخلق بربه لا يحصي ثناء عليه فكيف بمن هو دونه بدرجات لا يحصيها إلا الله.