فهرس الكتاب
ص -69- العام لا يحاط به إلا بدوام معاشرته وليس في حديث جابر ما يدل على ذلك بل المنقول عنه الترك في قضية معينه.
ثم ترك الوضوء مما مست النار لا يوجب تركه من جهة أخرى ولحم الإبل لم يتوضأ منه لأجل مس النار كما تقدم بل المعنى يختص به ويتناوله نيا ومطبوخا فبين الوضوء من لحم الإبل والوضوء مما مست النار عموم وخصوص. هذا أعم من وجه وهذا أخص من وجه وقد يتفق الوجهان فيكون للحكم علتان وقد ينفرد أحدهما عن الآخر بمنزلة التوضؤ من خروج النجاسة مع الوضوء من القُبْلة فإنه قد يُقَبِّلُ فيمذي وقد يقبل فلا يمذي وقد يمذي من غير مباشرة. فإذا قدر أنه لا وضوء من مس النساء لم ينف الوضوء من المذي. وكذلك بالعكس وهذا بين.
وأضعف من ذلك قول بعضهم إن المراد بذلك الوضوء اللغوي وهو غسل اليد أو اليد والفم فإن هذا باطل من وجوه:
أحدها: إن الوضوء في كلام رسولنا صلى الله عليه وسلم لم يرد به قط إلا وضوء الصلاة وإنما ورد بذلك المعنى في لغة اليهود. كما روي أن سلمان قال: يا رسول الله إنه في التوراة:"من بركة الطعام الوضوء قبله". فقال:"من بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده".
فهذا الحديث قد تنوزع في صحته وإذا كان صحيحًا فقد أجاب سلمان باللغة التي خاطبه بها أهل التوراة وأما اللغة التي خاطب الرسول صلى الله عليه وسلم بها أهل القرآن فلم يرد فيها الوضوء إلا في الوضوء الذي يعرفه المسلمون.
الثاني: إنه قد فرق بين اللحمين ومعلوم أن غسل اليد والفم من الغمر مشروع مطلقًا بل قد ثبت عنه أنه تمضمض من لبن ثم شربه. وقال:"إن له دسمًا". وقال:"من بات وبيده غمر فأصابه شيء فلا يلومن إلا نفسه".
فإذا كان قد شرع ذلك من اللبن والغمر فكيف لا يشرعه من لحم الغنم.
الثالث: إن الأمر بالتوضؤ من لحم الإبل إن كان أمر إيجاب امتنع حمله على غسل اليد والفم وإن كان أمر استحباب امتنع رفع الاستحباب عن لحم الغنم والحديث فيه أنه رفع عن لحم الغنم