فهرس الكتاب
ص -35- لا يكون موجود آخر قائما بنفسه وأن كل موجود فإما أن يكون مباينا لغيره منفصلا عنه فيكون في الجهة العدمية
وأما أن يكون محايثا له داخلا فيه فيكون في الجهة الوجودية ووجود موجود لا في جهة وجودية ولا جهة عدمية ممتنع في صريح العقل ثم إن قول هؤلاء موافق لما عليه بنو آدم من الفطرة موافق لما جاء به الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها وبالجملة فالنزاع في ذلك ظاهر مشهور وإذا كان كذلك لم يكن نفي ذلك بالهيِّن حتى يدعي دعوى مجردة بلا دليل سمعي ولا عقلي ثم يوجب اعتقاد ذلك ويعاقب تاركه
ومن الناس من قد يعني بالجهة ما ليس مغايرا لذي الجهة فيكون كونه في جهة بحيث يتوجه إليه أو يشار إليه ولا يعني بالجهة موجودا منفصلا عنه ولا يعني عدميا وهؤلاء قد يقولون الجهة من الأمور الإضافية فكون الشيء في الجهة معناه أنه مباين لغيره وكل موجود قائم بنفسه فإنه مباين لغيره وقد يقولون كونه في الجهة معناه أنه متميز بذاته محقق الوجود وإن لم يقدر موجود سواه وهؤلاء يقولون: هو الجهة في قبل وجود العالم والأولون يقولون: لا تعقل الجهة إلا بعد وجود العالم وأصل ذلك أن هؤلاء يقولون: إن مسمى الجهة نوعان إضافي منتقل وثابت لازم
فأما الأول فهي الجهات الست للحيوان أمامه وهو ما يؤمه وخلفه وهو ما يخلفه ويمينه ويساره وفوقه وتحته وهو ما يحاذي ذلك وهذه الجهات ليست جهات لمعنى يقوم بها ولا ذلك صفة لازمة لها بل تصير اليمين يسارًا واليسار يمينا والعلو سفلا والسفل علوا يتحرك الحيوان من غير تغير في الجهات
وأما الثاني: فهو جهتا العالم وهي العلو والسفل فليس للعالم إلا جهتان إحداهما العلو وهو جهة السموات وما فوقها وجهة السفل وهو جهة الأرض وما تحتها وفي جوفها وعلى هذا المعنى فكل ما كان خارج العالم مباينا للعالم فهو فوقه وهو في الجهة العليا فالباري تعالى إما أن يكون مباينا للعالم منفصلا عنه أو لا يكون مباينا له منفصلا عنه فإن