الصفحة 2492 من 3077

ص -36- عليه بالجهة العليا وإن كان الثاني كان حالا في العالم قائما به محمولا فيه قال هؤلاء: وهذا كله معلوم بالفطرة العقلية فالباري قبل أن يخلق العالم كان هو وحده سبحانه لا شريك له ولما خلق الخلق فإنه لم يخلقه في ذاته فيكون هو محلا للمخلوقات ولاجعل ذاته فيه فيكون مفتقرا محمولا قائما بالمصنوعات بل خلقه بائنا عنه فيكون فوقه وهو جهة العلو وقد بسطنا كلام هؤلاء وخصومهم في الحكومة العادلة فيما ذكره الرازي في"تأسيسه"من المجادلة وإذا كان كذلك فالداعي للناس إلى اعتقاد نفي الجهة إما أن يدخل معهم في هذه الدقائق ويكشف هذه الحقائق

وأما أن يعرض عن هذا ويقف عند الجمل التي عليها المؤمنون فأما أن يدعو إلى قول لا يبين حقيقته وأقسامه ولا يبين حجته التي تصحح مرامه ولا يكون القول موجودا في كتاب الله وسنة رسوله وكلام أئمة الإسلام فهذا غاية ما يكون من الجهل والضلال والظلم في الكلام

الوجه الثالث عشر: إن قولهم بنفي التحيز لفظ مجمل فإن التحيز المعروف في اللغة هو: أن يكون الشيء بحيث يحوزه ويحيط به موجود غيره كما قال تعالى: { وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ } فإن التحيز مأخوذ من حازه يحوزه فهذا المعنى هو أحد المعنيين اللذين ذكرناهما بقولنا: إن أراد أنه لا تحيط به المخلوقات ولا يكون في جوف الموجودات فهذا مذكور مصرح به في كلامي فأي فائدة في تجديده

وأما التحيز الذي يعنيه المتكلمون فأعم من هذا فإنهم يقولون: عالم كله متحيز وإن لم يكن في شيء آخر موجود إذ كل موجود سوى الله فإنه من العالم وقد يفرقون بين الحيز والمكان فيقولون: الحيز تقدير المكان وكل قائم بنفسه مباين لغيره بالجهة متحيز عندهم وإن لم يكن في شيء موجود

ولهذا يقول بعضهم: التحيز من لوازم الجسم ويقول بعضهم: هو من لوازم القيام بالنفس

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت