فهرس الكتاب
ص -39- وفي الجملة التسوية بين الماء والمائعات ممكن على التقديرين وهذا مقتضى النص والقياس في مسألة إزالة النجاسات وفي مسألة ملاقاتها للمائعات الماء وغير الماء.
ومن تدبر الأصول المنصوصة المجمع عليها والمعاني الشرعية المعتبرة في الأحكام الشرعية تبين له أن هذا هو أصوب الأقوال فإن نجاسة الماء والمائعات بدون التغير بعيد عن ظواهر النصوص والأقيسة وكون حكم النجاسة تبقى في مواردها بعد إزالة النجاسة بمائع أو غير مائع بعيد عن الأصول وموجب القياس.
ومن كان فقيهًا خبيرًا بمأخذ الأحكام الشرعية وأزال عنه الهوى تبين له ذلك ولكن إذا كان في استعمالها فساد فإنه ينهى عن ذلك كما ينهى عن ذبح الخيل التي يجاهد عليها والإبل التي يحج عليها والبقر التي يحرث عليها ونحو ذلك لما في ذلك من الحاجة إليها لا لأجل الخبث.
كما ثبت في الصحيح: عن النبي صلى الله عليه وسلم: لما كان في بعض أسفاره مع أصحابه فنفدت أزوادهم فاستأذنوه في نحر الظهر فأذن لهم ثم أتى عمر فسأله أن يجمع الأزواد فيدعو الله بالبركة فيها ويبقى الظهر ففعل ذلك. فنهيه لهم عن نحر الظهر كان لحاجتهم إليه للركوب لا لأن الإبل محرمة.
فهكذا ينهى فيما يحتاج إليه من الأطعمة والأشربة عن إزالة النجاسة بها كما ينهى عن الاستنجاء بما له حرمة من طعام الإنس والجن وعلف دواب الإنس والجن ولم يكن ذلك لكون هذه الأعيان لا يمكن الاستنجاء بها بل لحرمتها فالقول في المائعات كالقول في الجامدات.
الوجه الثالث: أن يقال إحالة المائعات للنجاسة إلى طبعها أقوى من إحالة الماء وتغير الماء بالنجاسات أسرع من تغير المائعات فإذا كان الماء لا ينجس بما وقع فيه من النجاسة لاستحالتها إلى طبيعته فالمائعات أولى وأحرى.
الوجه الرابع: إن النجاسة إذا لم يكن لها في الماء والمائع طعم ولا لون ولا ريح لا نسلم أن يقال بنجاسته أصلًا كما في الخمر المسلبة أو أبلغ وطرد ذلك في جميع صور الاستحالة فإن