فهرس الكتاب
ص -50- أنه نجس كقول الشافعي والرواية الأخرى عن أحمد. وعلى هذا النزاع انبنى نزاعهم في جبن المجوس فإن ذبائح المجوس حرام عند جمهور السلف والخلف وقد قيل: إن ذلك مجمع عليه بين الصحابة فإذا صنعوا جبنًا والجبن يصنع بالأنفحة كان فيه هذان القولان.
والأظهر أن أنفحة الميتة ولبنها طاهر لأن الصحابة لما فتحوا بلاد العراق أكلوا من جبن المجوس وكان هذا ظاهرًا سائغًا بينهم وما ينقل عن بعضهم من كراهة ذلك ففيه نظر فإنه من نقل بعض الحجازيين وفيه نظر وأهل العراق كانوا أعلم بهذا فإن المجوس كانوا ببلادهم ولم يكونوا بأرض الحجاز.
ويدل على ذلك أن سلمان الفارسي كان نائب عمر بن الخطاب على المدائن وكان يدعو الفرس إلى الإسلام. وقد ثبت عنه أنه سئل عن شيء من السمن والجبن والفراء فقال: الحلال ما حلله الله في كتابه والحرام ما حرم الله في كتابه وما سكت عنه فهو مما عفا عنه.
وقد رواه أبو داود مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعلوم أنه لم يكن السؤال عن جبن المسلمين وأهل الكتاب فإن هذا أمر بيّن. وإنما كان السؤال عن جبن المجوس فدل ذلك على أن سلمان كان يفتي بحلّها وإذا كان ذلك روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انقطع النزاع بقول النبي صلى الله عليه وسلم.
وأيضًا فاللبن والأنفحة لم يموتا وإنما نجسَّها من نجسَّها لكونها في وعاء نجس فتكون مائعًا في وعاء نجس فالنجس مبني على مقدمتين: على أن المائع لاقى وعاءً نجسًا وعلى أنه إذا كان كذلك صار نجسًا فيقال أولًا: لا نسلم أن المائع ينجس بملاقاة النجاسة وقد تقدم أن السنة دلت على طهارته لا على نجاسته. ويقال ثانيًا: الملاقاة في الباطن لا حكم لها كما قال تعالى: {نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ} النحل: 66. ولهذا يجوز حمل الصبي الصغير في الصلاة مع ما في باطنه. و الله أعلم.