فهرس الكتاب
ص -14- في ذلك من حصول المفسدة وترك المنفعة ومن المعلوم أن هذه الملاعب تشتهيها النفوس وإذا قويت الرغبة فيها أو دخل فيها العوض كما جرت به العادة وكان مِن حكم الشارع أن ينهى عما يدعو إلى ذلك لو لم يكن فيه مصلحة راجحة وهذا بخلاف المغالبات التي قد تنفع مثل: المسابقة والمصارعة ونحو ذلك فإن تلك فيها منفعة راجحة لتقوية الأبدان فلم يَنْه عنها لأجل ذلك ولم تجر عادة النفوس بالاكتساب بها.
وهذا المعنى نَبَّه عليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله:"مَنْ لعب بالنَّردَ شِير فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه"فإنَّ الغامس يده في ذلك يدعو إلى أكل الخنزير وذلك مقدمة أكله وسببه وداعيته. فإذا حَرَّم ذلك فكذلك اللعب الذي هو مقدمة أكل بالباطل وسببه وداعيته.
وبهذا يتبين ما ذكر العلماء من أن المغالبات ثلاثة أنواع فما كان معينًا على ما أمر الله به كما في قوله: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ} الأنفال: 60 جاز بجُعْل وبغير جُعْل. وما كان مُفضيًا إلى ما نهى الله عنه: كالنرد والشطرنج فمنهيٌ عنه بجُعْل وبغير جُعْل وما قد يكون فيه منفعة بلا مضرة راجحة كالمسابقة والمصارعة جاز بلا جُعْل.
الوجه الثالث: أن يقال قول القائل- أن الميسر إنّما حرم لمجرد المقامرة دعوى مجردة وظاهر القرآن والسنة والاعتبار يدل على فسادها وذلك أن الله تعالى قال: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ} المائدة: 91 فَنَّبه على علة التحريم وهي ما في ذلك من حصول المفسدة وزوال المصلحة الواجبة والمستحبة فإن وقوع العداوة والبغضاء من أعظم الفساد وصدود القلب عن ذكر الله وعن الصلاة اللَّذيْن كل منهما إمّا واجب وإمَّا مستحب من أعظم الفساد ومن المعلوم أن هذا يحصل في اللعب