فهرس الكتاب
ص -21- تعالى في القرآن فلو لم يكن في الميسر إلا مجرد القمار لكان أخف من الربا لتأخر تحريمه وقد أباح الشارع أنواعًا من الغرر للحاجة كما أباح اشتراط ثمر النخل بعد التأبير تبعًا للأصل وجوز بيع المجازفة وغير ذلك وأما الربا فلم يبح منه شيئًا ولكن أباح العدول عن التقدير بالكيل إلى التقدير بالخرَصْ عند الحاجة كما أباح التيمم عند عدم الماء للحاجة إذ الخرص تقدير بظن والكيل تقدير بعلم والعدول عن العلم إلى الظن عند الحاجة جائز.
فتبين أن الربا أعظم من القمار الذي ليس فيها إلا مجرد أكل المال بالباطل لكن الميسر تطلب به الملاعبة والمغالبة نهى عنه في الإنسان مع فساد ماله لا لفساد ماله مثل ما فيه من الصدود عن ذكر الله وعن الصلاة وكُلُ من الخمر والميسر فيه إيقاع العداوة والبغضاء وفيه الصد عن ذكر الله وعن الصلاة أعظم من الربا وغيره من المعاملات الفاسدة.
فتبين أن الميسر اشتمل على مفسدتيْن مفسدة في المال وهي أكله بالباطل ومفسدة في العمل وهي ما فيه من مفسدة المال وفساد القلب والعقل وفساد ذات البين وكل من المفسدتين مستقلة بالنهي فينهى عن أكل المال بالباطل مطلقًا ولو كان بغير ميسر كالربا وينهي عما يصد عن ذكر الله وعن الصلاة ويوقع بالعداوة والبغضاء ولو كان بغير أكل مال فإذا اجتمعا عظم التحريم فيكون الميسر المشتمل عليهما أعظم من الربا ولهذا حرم ذلك قبل تحريم الربا.
ومعلوم أن الله تعالى لما حرم الخمر حرمها ولو كان الشارب يتداوى بها كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح وحرم بيعها لأهل الكتاب وغيرهم وإن كان أكل ثمنها لا يصد عن ذكر الله وعن الصلاة ولا يوقع العداوة والبغضاء لأن الله تعالى إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه كل ذلك مبالغة في الاجتناب فهكذا الميسر منهي عن هذا وعن هذا والمعين على الميسر كالمعين على الخمر فإنَّ ذلك من التعاون على الإثم والعُدوان.
وكما أن الخمر تحرم الإعانة عليها ببيع أو