فهرس الكتاب
ص -25- والذي يعين على ذلك شيئان: قوة المقتضى وضعف الشاغل. أما الأول: فاجتهاد العبد في أن يعقل ما يقوله ويفعله ويتدبر القراءة والذكر والدعاء ويستحضر أنه مناجٍ لله تعالى كأنه يراه فإن المصلي إذا كان قائمًا فإنّما يناجي ربه والاحسان: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ثم كلما ذاق العبد حلاوة الصلاة كان انجذابه إليها أوكد وهذا يكون بحسب قوة الإيمان والأسباب المقوية للإيمان كثيرة ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول:"حُبّبّ إلي من ديناكم: النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة"وفي حديث آخر أنه قال:"أرحنا يا بلال بالصلاة"ولم يقل: أرحنا منها وفي أثر آخر ليس بمستكمل للإيمان مَنْ لم يزل مهمومًا حتى يقوم إلى الصلاة أو كلام يقارب هذا
وهذا باب واسع فإن ما في القلب من معرفة الله ومحبته وخشيته وإخلاص الدين له وخوفه ورجائه والتصديق بأخباره وغير ذلك مما يتباين الناس فيه ويتفاضلون تفاضلًا عظيمًا ويقوي ذلك كلما ازداد العبد تدبرًا للقرآن وفهمًا ومعرفة بأسماء الله وصفاته وعظمته وتفقره إليه في عبادته واشتغاله به بحيث يجد اضطراره إلى أن يكون تعالى معبوده ومستغاثه أعظم من اضطراره إلى الأكل والشرب فإنه لا صلاح له إلا بأن يكون الله هو معبوده الذي يطمئن إليه ويأنس به ويلتذ بذكره ويستريح به ولا حصول لهذا إلا بإعانة الله
ومتى كان للقلب إله غير الله فسد وهلك هلاكًا لا صلاح معه ومتى لم يُعِنْه الله على ذلك لم يصلحه ولا حول ولا قوة إلا به ولا ملجأ ولا منجا منه إلا إليه. ولهذا يروى: أن الله أنزل مائة كتاب وأربعة كتب جمع علمها في الكتب الأربعة وجمع الكتب الأربعة في القرآن وجمع علم القرآن في المفصل وجمع علم المفصل في فاتحة الكتاب وجمع علم فاتحة الكتاب في قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} الفاتحة: 5 ونظير ذلك قوله: {فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ} هود: 123