الصفحة 126 من 250

والعقل الصريح وهذا حال الجهمية من المعتزلة وغيرهم حيث أثبتوا حدوث العالم بحدوث الأجسام وأثبتوا ذلك بحدوث صفاتها التي هي الأعراض فاضطرهم ذلك إلى القول بحدوث كل موصوف فنفوا عن الله الصفات وقالوا بأن القرآن

ص -89- مخلوق وأنه لا يرى في الآخرة وقالوا إنه لا مباين ولا محايث وأمثال ذلك من مقالات النفاة التي تستلزم التعطيل كما قد بسطناه في غير هذا الموضع وليس الأمر كذلك بل معرفتها بغير المعجزات ممكنة فإن المقصود إنما هو معرفة صدق مدعى النبوة أو كذبه فإنه إذا قال إني رسول الله فهذا الكلام إما أن يكون صدقا وإما أن يكون كذبا وإن شئت قلت هذا خبر فإما أن يكون مطابقا للمخبر وإما أن يكون مخالفا له سواء كانت مخالفته له على وجه العمد أو الخطأ إذ قد يظن الرجل في نفسه أو غيره أنه رسول الله غير متعمد للكذب بل خطأ وضلال مثل كثير ممن يتمثل له الشيطان ويقول إني ربك ويخاطبه بأشياء وقد يقول له أحللت لك ما حرمت على غيرك وأنت عبدي ورسولي وأنت أفضل أهل الأرض وأمثال هذه الأكاذيب فإن مثل هذا قد وقع لكثير من الناس فإذا كان مدعي الرسالة لم يكن صادقا فلا بد أن يكون كاذبا عمدا أو ضلالا فالتمييز بين الصادق والكاذب له طرق كثيرة فيما هو دون دعوى النبوة فكيف بدعوى النبوة.

ومعلوم أن مدعى الرسالة إما أن يكون من أفضل الخلق وأكملهم وإما أن يكون من أنقص الخلق وأرذلهم ولهذا قال أحد أكابر ثقيف للنبي صلى الله عليه وسلم لما بلغهم الرسالة ودعاهم إلى الإسلام:"والله لا أقول لك كلمة واحدة إن كنت صادقا فأنت أجل في عيني من أن أرد عليك وإن كنت كاذبا فأنت أحقر من أن أرد عليك"فكيف يشتبه أفضل الخلق وأكملهم بأنقص الخلق وأرذلهم وما أحسن قول حسان:

لو لم تكن فيه آيات مبينة

كانت بديهته تأتيك بالخير

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت