فهرس الكتاب
ويفتي بخبرهم ويحكم بشهادتهم وحتى لا يحتاج الحاكم في عدالة كل شاهد إلى تزكيته فإنه لو احتاج كل مزكي إلى مزكي لزم التسلسل بل يعلم صدق الشخص تارة باختياره ومباشرته
ص -147- وتارة باستضافة صدقه بين الناس ولهذا قال العلماء:"إن التعديل لا يحتاج إلى بيان السبب فإن كون الشخص عدلا صادقا لا يكذب لا يتبين بذكر شيء معين بخلاف الجرح فإنه لا يقبل إلا مفسرا عند جمهور العلماء لوجهين":
أحدهما: أن سبب الجرح ينضبط الثاني: أنه قد يظن ما ليس بجرح جرحا وأما كونه صادقا متحريا للصدق لا يكذب فهذا لا يعرف بشيء واحد حتى يخبر به وإنما يعرف ذلك من خلقه وعادته بطول المباشرة له والخبرة له ثم إذا استفاض ذلك عند عامة من يعرفه كان ذلك طريقا للعلم لمن لم يباشره كما يعرف الإنسان عدل عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز وظلم الحجاج.
ولهذا قال الفقهاء:"إن العدالة والفسق يثبتان بالاستفاضة"وقالوا في الجرح المفسر يجرحه بما رآه أو سمعه أو استفاض عنه وصدق الإنسان في العادة مستلزم لخصال البر كما أن كذبه مستلزم لخصال الفجور كما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا"وكما أن الخبر المتواتر يعلم لكونه خبر من يمتنع في العادة اتفاقهم وتواطؤهم على الكذب والخبر المنكر المكذب يعلم لكونه لم يخبر به من يمتنع في العادة أن يخفي على الناس فلا يوجد أحد يظهر تحرى الصدق وهو يكذب إذا أراد إلا ولا بد أن يتبين كذبه فإن الإنسان حيوان ناطق فالكلام له وصف لازم ذاتي لا يفارقه والكلام إما خبر وإما إنشاء والخبر أكثر من الإنشاء وأصل له كما أن العلم أعم من الإرادة وأصل لها والمعلوم