فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 35

يظن بعض الطلبة أن العلم لقمة سائغة أو جرعة عذبة ، سرعان ما تظهر نتائجها ، وتتبين فوائدها .

فيؤمل في قرارة نفسه أنه بعد مضي سنة أو أكثر أو أقل - من عمره في الطلب - سيصبح عالمًا جهبذًا ، لا يدرك شأوه ، ولا يشق غباره .

وهذه نظرة خاطئة وتصور فاسد ، وأمل كاسد أضراره وخيمة ، ومفاسده عظيمة ، إذ يفضي بصاحبه إلى ما لا تحمد عقباه ، من القول علي الله بغير علم ، والثقة العمياء بالنفس ، وحب العلو والتصدر ... وينتهي مطافه بين هذه الأشياء إلى هجر الانتساب للعلم وأهله .

ولقد أصاب المأمون عندما قال - متهكمًا بهذا الضرب من الطلبة -: يطلب الحديث ثلاثة أيام ثم يقول: أنا من أهل الحديث ( [43] )

والناظر إلى حالالسلف يرى عجبًا من صبرهم على مرارة التحصيل ، وطولالجادة ، لا يفترون ولا يتقاعسون ، ولا يستكبرون ، شعارهم (( العلم من المهد إلى اللحد ) )... (( العلم من المحبرة إلى المكبرة ) ).

قال الإمام المديني: قيل للشعبي: من أين لك هذا العلم كله ؟ قال: ( لنفي الاعتماد ، والسير في البلاد ، وصبر كصبر الجماد ، وبكور كبكور الغراب ) ( [44] )

وقال الإمام الشافعي: ( لا يبلغ في هذا الشأن رجل حتى يضر به الفقر ويؤثره على كل شيء ) ( [45] ) .

وقال ابن حمزة قال لي يعقوب بن سفيان - الحافظ الإمام -: أقمت في الرحلة ثلاثين سنة ) ( [46] )

وقال يحي بن كثير ( لا يستطاع العلم براحة الجسد ) ( [47] ) .

وقال ابن الحداد المالكي: ( ما للعلم وملائمة المضاجع ) ( [48] ) .

فعلي طالب العلم أن يتأسي بهؤلاء الأئمة ، وأن يحذوا حذوهم ، حتى ينال مناه ، ويدرك بغيته ، فإن منهجهم سليم ، وطريقهم قويم وما حصل لهم ما حصل من ذكرٍ حسن ، ونفع مستمر للمسلمين إلا بالصبر والمثابرة ، وازدراء كل ما يبذل من مالٍ ، ووقتٍ في سبيل العلم والمعرفة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت