الصفحة 122 من 577

قلت: وهذا هو اللأئق بالشريعة السمحة التي من غاياتها تجميع الناس وتوحيد صفوفهم , وإبعادهم عن كل ما يفرق جمعهم من الأراء الفردية , فلا تعتبر الشريعة رأي الفرد - ولو كان صوابًا من وجهة نظره - في عبادة جماعية كالصوم والتعييد وصلاة الجماعة , ألا ترى أن الصحابة رضي الله عنهم كان يصلي بعضهم وراء بعض وفيهم من يرى أن مس المرأة والعضو وخروج الدم من نواقض الوضوء , ومنهم من لا يرى ذلك , ومنهم من يتم في السفر , ومنهم من يقصر , فلم يكن اختلافهم هذا وغيره ليمنعهم من الاجتماع في الصلاة وراء الإمام الواحد , والاعتداد بها , وذلك لعلمهم بأن التفرق في الدين شر من الاختلاف في بعض الآراء , ولقد بلغ الأمر ببعضهم في عدم الاعتداد بالرأى المخالف لرأي الإمام الأعظم في المجتمع الأكبر - كمنى - إلى حد ترك العمل برأيه إطلاقًا في ذلك المجتمع , فرارًا مما قد ينتج من الشر بسبب العمل برأيه , فروى أبو داوود ( أن عثمان رضي الله عنه صلى بمنى أربعًا فقال عبدالله بن مسعود منكرًا عليه: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ركعتين , ومع أبي بكر ركعتين , ومع عمر ركعتين , ومع عثمان صدرًا من إمارته ثم أتمها , ثم تفرقت بكم الطرق , فلوددت أن لي من أربع ركعات ركعتين متقبلتين , ثم إن ابن مسعود صلى أربعًا فقيل له عبت على عثمان ثم صليت أربعًا ؟ قال الخلاف شر ) وسنده صحيح.

وروى أحمد نحو هذا عن أبي ذر رضي الله عنهم أجمعين.

فليتأمل في هذا الحديث وفي الأثر المذكور أولئك الذين لا يزالون يتفرقون في صلواتهم , ولا يقتدون ببعض أئمة المساجد , وخاصة في صلاة الوتر في رمضان بحجة كونهم على خلاف مذهبهم , وبعض أولئك الذين يدعون العلم بالفلك ممن يصوم وحده ويفطر وحده متقدمًا أو متأخرًا على جماعة المسلمين , معتدًا برأيه وعلمه , غير مبال بالخروج عنهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت