الصفحة 52 من 577

والطريق الأخرى عن يحيى بن أيوب البجلي عن أبي زرعة قال (دخلت على أبي هريرة , فتوضأ إلى منكبيه , وإلى ركبتيه , فقلت له: ألا تكتفي بما فرض الله عليك من هذا ؟ قال: بلي , ولكني سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: مبلغ الحلية مبلغ الوضوء , فأحببت أن يزيدني في حليتي) .

هل هذا الحديث يدل على استحباب إطالة الغرة والتحجيل؟

الذي نراه - إذا لم نعتد برأي أبي هريرة رضي الله عنه - أنه لا يدل على ذلك , لأن قوله: (مبلغ الوضوء) , من الواضح أنه أراد الوضوء الشرعي , فإذا لم يثبت في الشرع الإطالة , لم يجز الزيادة عليه , كما لا يخفى.

على أنه إن دل الحديث على ذلك , فلن يدل على غسل العضد , لأنه ليس من الغرة ولا التحجيل , ولذلك قال ابن القيم رحمه الله تعالى في حادي الأرواح: (وقد احتج بهذا الحديث من يرى استحباب غسل العضد وإطالته , والصحيح أنه لا يستحب , وهو قول أهل المدينة , وعن أحمد روايتان , والحديث لا يدل على الإطالة , فإن الحلية إنما تكون زينة في الساعد والمعصم , لا العضد والكتف) .

واعلم أن هناك حديثًا آخر يستدل به من يذهب إلى استحباب إطالة الغرة والتحجيل , وهو بلفظ: (إِنَّ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ فَمَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ) , وهو متفق عليه بين الشيخين , لكن قوله (فَمَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ ) , مدرج من قول أبي هريرة , ليس من حديثه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , كما شهد بذلك جماعة من الحفاظ , كالمنذري , وابن تيمية , وابن القيم , والعسقلاني , وغيرهم , وقد بينت ذلك بيانًا شافيًا في الأحاديث الضعيفة , فأغنى عن الإعادة , ولو صحت هذه الجملة , لكانت نصًا على استحباب إطالة الغرة والتحجيل لا على إطالة العضد , والله ولي التوفيق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت