فهرس الكتاب

الصفحة 101 من 1002

ومنهم من أقر بالصلاة وشرائع الإسلام الأخرى، ولكن وقعت له الشبهة في الزكاة - كما شرحنا من قبل - لحداثة عهدهم بالإسلام، وغلبة البداوة عليهم، لا لغموض طبيعة الزكاة. ولهذا عدهم الإمام سليمان الخطابى وغيره من أهل"البغي"لا من أهل"الردة"وإن كان فيهم من أنكر وجوب الزكاة بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - . وذلك لأنهم وضعوا في تقديرهم بداوتهم وحداثتهم في الإسلام، فلم يحكموا عليهم بالكفر والردة، كالطوائف الأخرى، وبعض هؤلاء لم ينكر وجوب الزكاة رأسًا. بل ذكر الخطابي وغيره: أنه كان في ضمن هؤلاء المانعين للزكاة من كان يسمح بها ولم يمنعها، إلا أن رؤساءهم صدوهم عن ذلك، وقبضوا على أيديهم، كبني يربوع، فإنهم قد جمعوا صدقاتهم وأرادوا أن يبعثوا بها إلى أبى بكر، فمنعهم مالك بن نويرة من ذلك وفرقها فيهم (انظر نيل الأوطار: 4/102) .

وفي أمر هؤلاء عرض الخلاف ووقعت الشبهة لعمر بن الخطاب، فعارضة أبو بكر وناظره، فأقنعه الصديق، واستبانت له الحجة، واتفق الجميع على قتالهم، كما وضحناه من قبل.

وقد زعم"شاخت": أن موقف أبى بكر من مانعي الزكاة هو الذي أعطى هذه الفريضة ثباتها وخلودها، لا حبًا في أبى بكر؛ ولكن تأكيدًا لما زعمه أن المسلمين حتى عمر نفسه لم تكن فرضية الزكاة واضحة لديهم. ونسى هذا المتحامل أن أبا بكر كان في موقفه هذا متبعًا لا مبتدعًا، ولهذا قال قولته:"والله لو منعونى عناقًا - أو عقالًا - كانوا يؤدونها لرسول الله لقاتلتهم على منعها".

فلم يكن منهج الصديق - في موقفه هذا وفي سيرته كلها - إلا تنفيذ ما كان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لا يدع منه شيئًا، ولا يخرم منه حرفًا.

أما عمر ومن كان على موقفه، فقد رأوا - كما قال ابن العربى - قبول الصلاة منهم، وترك الزكاة لهم، حتى يتمهد الأمر، ويظهر حزب الله، وتسكن سورة الخلاف (أحكام القرآن: قسم 2ص 955) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت