وعلي محمود طه .. الذي قضى نحبه بعد عام ونصف من النكبة، كان قد عاش تلك الفترة مؤرقًا، مهمومًا بالقضية، وهو الذي عاش بداياته حالمًا محلقًا شأن الشعراء الرومانسيين، ظل يعيش المأساة، فنراه مع إرهاصاتها يصرخ:
أخي، جاوز الظالمون المدى ... فحقّ الجهاد وحقّ الفدا [3]
لماذا؟
لأنهم غاصبون ومغتصبون لقطعة عزيزة من الجسد المسلم، فرأى أن الجهاد هو البديل لاستخلاصه.
ونراه .. حينما علم باجتماع زعماء الدول العربية بالقاهرة للتوقيع على إنشاء جامعة الدول العربية، يتوجه إليهم، بعد أن قّص القصة شعرًا يذكرهم إخوة لهم باتوا ضائعين .. مشتتين .. تائهين:
فاقضوا حقوق إخاء تستجير به ... أخت لكم [4] في صراع الدهر عزلا
طعامها من فُتات العيش مسغبة ... وريّها منه إيلام وإشقاء
هذي فلسطين .. أو هذي روايتها ... ماذا تقولون إن لم يحسم الداء؟
تطلعت لكم ولهى .. أليس لها ... على يديكم من العّلات .. إبراء؟
وناهيك عن مذابح بحر البقر و دير ياسين و صبرا و شاتيلا، والاعتداء على المسجد الإبراهيمي وحريق المسجد الأقصى، ثم أخيرا: الاستهزاء بالإسلام ربيع أول 1418ه ونبيه المصطفى وبالقرآن الكريم كتاب الله العظيم، هذا الذي أثار ضجة عالمية.
والآن .. بات من الضروري، الوقوف بحزم أمام الأطماع والغطرسة الصهيونية، وغرور حكام الليكود المتهورين، السادرين في غيهّم وعنجهيتهم.
ولن يكون ذلك إلاّ بموقف إسلامي موحدّ، ليتحقق وعد الله بالقضاء على هؤلاء الأنجاس، أبناء الخنازير.
وأقول .. ما قاله علي محمود طه منذ أكثر من ستة وأربعين عامًا:
أخي، إن في القدس أختًا لنا [5] ... أعدّ لها الظالمون .. المُدى
فجّرد حسامك من غمده ... فليس له بعدُ أن يُغمدا
فلسطين تحميك منا الصدور ... فإمّا الحياة .. وإمّا الردى
(1) شاعر مصري، عرف ب (الملاح التائه) توفي 17 - 11 - 1949م.
(2) من قصيدة (أبناء الشرق) .
(3) من قصيدة (نداء الفداء) .
(4) يقصد فلسطين.