فَإِنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ:"الْعِلْمُ"صِفَةٌ انْفِعَالِيَّةٌ لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي الْمَعْلُومِ ؛ كَمَا يَقُولُهُ طَوَائِفُ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ بَلْ هُوَ صِفَةٌ فِعْلِيَّةٌ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي الْمَعْلُومِ كَمَا يَقُولُهُ طَوَائِفُ مِنْ أَهْلِ الْفَلْسَفَةِ وَالْكَلَامِ . وَالصَّوَابُ أَنَّهُ"نَوْعَانِ"- كَمَا بَيَّنَّاهُ - وَهَكَذَا عِلْمُ الرَّبِّ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - فَإِنَّ عِلْمَهُ بِنَفْسِهِ سُبْحَانَهُ لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي وُجُودِ الْمَعْلُومِ وَأَمَّا عِلْمُهُ بِمَخْلُوقَاتِهِ الَّتِي خَلَقَهَا بِمَشِيئَتِهِ وَإِرَادَتِهِ فَهُوَ مِمَّا لَهُ تَأْثِيرٌ فِي وُجُودِ مَعْلُومَاتِهِ وَالْقَوْلُ فِي الْكَلَامِ وَالْكِتَابِ كَالْقَوْلِ فِي الْعِلْمِ: فَإِنَّهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - إذَا خَلَقَ الشَّيْءَ خَلَقَهُ بِعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ وَلِذَلِكَ كَانَ الْخَلْقُ مُسْتَلْزِمًا لِلْعِلْمِ وَدَلِيلًا عَلَيْهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: { أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } . وَأَمَّا إذَا أَخْبَرَ بِمَا سَيَكُونُ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ فَعِلْمُهُ وَخَبَرُهُ حِينَئِذٍ لَيْسَ هُوَ الْمُؤَثِّرَ فِي وُجُودِهِ لِعِلْمِهِ وَخَبَرِهِ بِهِ بَعْدَ وُجُودِهِ لِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: ( أَحَدُهَا ) : أَنَّ الْعِلْمَ وَالْخَبَرَ عَنْ الْمُسْتَقْبَلِ كَالْعِلْمِ وَالْخَبَرِ عَنْ الْمَاضِي . ( الثَّانِي ) : أَنَّ الْعِلْمَ الْمُؤَثِّرَ هُوَ الْمُسْتَلْزِمُ لِلْإِرَادَةِ الْمُسْتَلْزَمَةِ لِلْخَلْقِ لَيْسَ هُوَ مَا يَسْتَلْزِمُ الْخَبَرَ وَقَدْ بَيَّنَّا الْفَرْقَ بَيْنَ الْعِلْمِ الْعَمَلِيِّ وَالْعِلْمِ الْخَبَرِيِّ . (