فأخل أبو بكر يده فقاء كل شيء في بطنه!! فقيل له: يرحمك الله، كل هذا من أجل هذه اللقمة؟ فقال: لو لم تخرج إلا مع نفسي لأخرجتها؛ سمعت رسول الله يقول: كل جسد نبت من سُحت فالنار أولى به. فخشيت أن ينبت شيء من جسدي من هذه اللقمة؟ (سير إسلامية لعبد الستار الشيخ ص54)
انظر إلى هذا المثل الرائع لتقوى هذا الصحابي لربه، رغم مكانته في الإسلام والجهاد والدعوة وجمعه لخصال الخير؛ إلا أنه لم يغتر بذلك كله، وكانت لديه تلك الخشية، وذلك الحذر!!
فالتقوى هي زاد الروح، الذي به؛ أي هذا الزاد؛ يسير إلى ربه، ويصل سالما، وأمل قول الله تعالى: {وتزودوا فإن خير الزاد التقوى} ، يقول ابن القيم: أمر الحجيج بأن يتزودوا لسفرهم، ولا يسافروا بغير زاد. ثم نبههم على زاد سفر الآخرة، وهو التقوى. (بدائع التفسير ج1ص388)
قال ابن القيم: كما أن البدن لا يكون صحيحا إلا بغذاء يحفظ قوته، واستفراغ يستفرغ المواد الفاسدة والأخلاط الرديئة التي متى غلبت عليه أفسدته، وحمية يمتنع بها مما يؤذيه وخشى ضرره، فكذلك القلب لا تتم حياته إلا بغذاء من الإيمان والأعمال الصالحة تحفظ قوته، واستفراغ بالتوبة النصوح تستفرغ بها المواد الفاسدة والأخلاق الرديئة منه، وحمية توجب له حفظ الصحة، والتقوى: اسم متناول لهذه الأمور الثلاثة، فما فات منها فات التقوى بقدره. (في ظلال التقوى لوهبي ص 11)
الذي يسير في هذه الحياة بغير تقوى لله؛ ما أكثر ما تزل قدمه!! وما أقرب الشيطان منه؟
ربما يسأل سائل: ما علاقة الصوم بالتقوى؟ **
وسر ختام آية الصيام بالتقوى: أن إعداد نفوس الصائمين لتقوى الله يظهر من وجوه متعددة؛"أعظمها شأنا: أن الصيام أمره موكول إلى نفس الصائم وضميره، لا رقيب عليه إلا الله، فهو سر بين العبد وربه لا يطلع عليه أحد سواه، لأنه يستطيع أن يفطر سرا مختفيا عن أقرب قريب، ولكنه يلتزم الأمانة في حفظ الصيام؛ مهما سنح له ما يشتهي أو يغري. فمواصلة ذلك شهرا كاملا فيه تربية على هذه الخصلة العظيمة". (الدوسري ص 15)
والصيام بما فيه من استجابة لأوامر الله، وترك لمحبوبات النفوس ومطلوباتها بدون رقابة سوى الله، ينشيء التقوى في القلوب (أشقر ص7)
فالصوم يعد نفس المسلم لتقوى الله ومراقبته طوال السنة؛ الذي جعلك تراقبه في هذا الشهر فراقبه في بقيته، فإن رب الشهور واحد، وهو مطلع وشاهد. فما أعظمها من فائدة: تربية التقوى والمراقبة الدائمة في النفوس، في كل مكان، وفي أي زمان، فأي قانون هذا الذي يربي هذه الحساسية،
ولهذا قال أحد الفضلاء: إن الدساتير والقوانين واللوائح مهما تكن من الضبط والإحكام لا تستطيع أن تصنع الإنسان من داخله، ولا تستطيع أن تصنع ضميره وقلبه ووجدانه وعواطفه، وإنما تتحكم فقط قي الظاهر.
إن عبادة الصوم منهج إلهي يوقظ الضمير، ويحيى الشعور، وينبه الإحساس، وبذلك تتطهر الحياة من البغي والظلم والفساد.""
لذلك تجد الناس في رمضان تزداد عندهم هذه الحساسية؛ التي هي التقوى؛ والتحرج، فتكثر الأسئلة عن بلع الريق، ومضغ الطعام، وفرشاة الأسنان، وليت هذه الحساسية تستمر بعد رمضان.
فإذا كان النهار اشتغلت المراقبة، وإذا جاء الليل انطفأت! لماذا؟ فربنا الذي صمنا له بالنهار موجود وشاهد بالليل!! سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (10الرعد ) )
وما أحوجنا إلى التقوى التي تنمي المراقبة: أن يتقي العبد ربه ويراقبه خاصة في خلوته، حيث لا يراه أحد.
وإذا خلوت بريبة في ظلمةٍٍ *** والنفس داعية إلى العصيان
فاستحي من نظر الإله وقل لها *** إن الذي خلق الظلام يراني
وقال الآخر:
إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل *** خلوت ولكن قل علي رقيب
ولا تحسبن الله يغفل ساعة *** ولا أن ما يخفى عليه يغيب
فالصيام يربي في النفس التقوى والمراقبة، وكيف نغض أبصارنا إذا رأينا محرما أو فتنة؟ كيف نمتنع عن الحرام إن لم نتربَّ على مبدأ المراقبة وخشية الله في السر والعلن؟ وهذا ما يعلمنا إياه شهر رمضان.
تجد المرأة في مطبخها أمام أصناف الأطعمة والأشربة، فلا تأكل منه شيئا، أو تشرب منه كأسا! من الذي منعها، ومن الذي يراقبها؛ إنه الله.
المتوضيء وهو صائم يتمضمض والماء في فمه ولو ابتلعه لما شعر به أحد، من الذي يمنعه أن يبتلع منه قطرة. إنه مبدأ المراقبة والخوف من الله العليم الخبير. (بتصرف العمر 33/ 34)
فعلى المسلم أن يراقب الله في صيامه وصلاته، و أولاده، يخاف الله فيهم، ويراقب الله في عمله، على المرأة أن تراقب الله في لباسها الذي تلبسه أمام محارمها.
وهذا يقودنا لثمرة من ثمار التقوى؛ وهي أيضا فائدة من فوائد الصوم:
(2) تحقيق الإخلاص، والبعد عن الرياء: