فهرس الكتاب
لأنهم قومٌ عظم تقصيرهم في الطاعات، حتى إن منهم من لا يؤدي الصلاة، ومنهم من يقصر كثيرًا في حقوق الله، فإذا جاء هذا الشهر التزموا ببعض العبادات، فوجدتَ كثيرًا من الناكثين القاسطين المقصرين بدءوا يترددون على المساجد، ويشهدون الجمع والجماعات إلى غير ذلك، فيستثقلون هذا الشهر؛ لأنهم يلتزمون فيه ببعض الطاعات التي قصروا فيها في غيره.
لذلك يذكر المؤرخون -كابن رجب وغيره- أن ولدًا لهارون الرشيد كان غلامًا سفيهًا، فلما أقبل رمضان ضاق به ذرعًا وبدأ يقول:
دعاني شهر الصوم لا كان من شهر ... * * ولا صمت شهرًا بعده آخر الدهر
فلو كان يعديني الأنام بقوة على * * ... الشهر لاستعديت قومي على الشهر
فهو يدعو على رمضان ويقول: عسى ألا أصوم شهرًا بعده آخر الدهر، ولو كان يمكن أن أستعين بالناس على هذا الشهر لأتغلب عليه لاستعنت بهم، قال: فأصيب بمرض الصرع، فكان يصرع في اليوم عدةَ مرات، وما زال كذلك حتى مات قبل أن يصوم رمضان الآخر بعد ما قال ما قال.
يقول الرسول صلى الله عليه وسلم:"رغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يُغفر له, ورغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر فلم يدخلاه الجنة" (رواه الترمذي وصححه الألباني في صحيح الجامع 3510) .من رُحم في شهر رمضان فهو المرحوم, ومن حُرم خيره فهو المحروم, ومن لم يتزود فيه لمعاده فهو ملوم.
أتى رمضان مزرعة العباد * * لتطهير القلوب من الفساد
فأد حقوقه قولا وفعلا * *وزادك فاتخذه للمعاد
فمن زرع الحبوب وما سقاها * *تأوه نادما يوم الحصاد
يا من طالت غيبته عنا, قد قربت أيام المصالحة, يا من دامت خسارته قد أقبلت أيام التجارة الرابحة, من لم يربح في هذا الشهر ففي أي وقت يربح؟ من لم يقرب فيه من مولاه فهو على بعده لا يبرح.
أناس أعرضوا عنا * *بلا جَرم ولا معنى
أساءوا ظنهم فينا * *فهلا أحسنوا الظنا
فإن عادوا لنا عُدنا * *وإن خانوا فما خُنا
فإن كانوا قد استغنوا * *فإنا عنهم أغنا