فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 47

فنظر بعضهم إلى بعض .. وخافوا أن يراه النبي عليه الصلاة والسلام فيدعوه إلى الإسلام .. فإن أسلم هذا السيد .. قوي به الإسلام ..

فاجتمعوا عليه وقال له أحدهم: إن ههنا رجل في مكة يزعم أنه نبي .. فاحذر أن تجلس معه أو تسمع كلامه .. فإنه ساحر .. إن استمعت إليه ذهب بعقلك ..

ثم قال له الآخر مثل ذلك .. وزاد الثالث عليهما .. وأكثروا الكلام ..

قال الطفيل: فوالله ما زالوا بي يخوفونني منه .. حتى أجمعت ألا أسمع منه شيئًا .. ولا أكلمه .. بل حشوت في أذنيَّ كرسفا - وهو القطن - خوفًا من أن يبلغني شيء من قوله .. وأنا مارّ به ..

فغدوت إلى المسجد ..

فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي عند الكعبة ..

فقمت منه قريبًا .. فأبى الله إلا أن يسمعني بعض قوله ..

فسمعت كلامًا حسنًا ..

فقلت في نفسي: واثكل أمي! والله إني لرجل لبيب .. ما يخفى عليَّ الحسنُ من القبيح .. فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول .. فإن كان الذي به حسنًا قبلته .. وإن كان قبيحًا تركته ..

فمكثت حتى قضى صلاته .. فلما قام منصرفًا إلى بيته تبعته ..

حتى إذا دخل بيته دخلت عليه .. فقلت: يا محمد .. إن قومك قالوا لي كذا وكذا ..

ووالله ما برحوا يخوفونني منك حتى سددت أذني بكرسف لئلا أسمع قولك .. وقد سمعت منك قولًا حسنًا .. فاعرض عليَّ أمرك ..

فابتهج النبي عليه الصلاة والسلام .. وفرح .. وعرض الإسلام على الطفيل .. وتلا عليه القرآن ..

فتفكر الطفيل في حاله .. فإذا كل يوم يعيشه يزيده من الله بعدًا ..

وإذا هو يعبد حجرًا .. لا يسمع دعاءه إذا دعاه .. ولا يجيب نداءه إذا ناداه ..

وهذا الحق قد تبين له ..

ثم بدأ الطفيل يتفكر في عاقبة إسلامه ..

كيف يغير دينه ودين آبائه!! .. ماذا سيقول الناس عنه؟!

حياته التي عاشها .. أمواله التي جمعها .. أهله .. ولده .. جيرانه .. خلانه ..

كل هذا سيضطرب ..

سكت الطفيل .. يفكر .. يوازن بين دنياه وأخراه ..

وفجأة إذا به يضرب بدنياه عرض الحائط ..

نعم سوف يستقيم على الدين ..

وليرض من يرضى .. وليسخط من يسخط ..

وماذا يكون أهل الأرض .. إذا رضي أهل السماء ..

ماله ورزقه بيد من في السماء ..

صحته وسقمه بيد من في السماء ..

منصبه وجاهه بيد من في السماء ..

بل حياته وموته بيد من في السماء ..

فإذا رضي أهل السماء .. فلا عليه ما فاته من الدنيا ..

إذا أحبه الله .. فلبيغضه بعدها من شاء .. وليتنكر له من شاء .. وليستهزئ به من شاء ..

فليتك تحلو والحياة مريرة وليتك ترضى والأنام غضاب

وليت الذي بيني وبينك عامر وبيني وبين العالمين خراب

إذا صح منك الود فالكل هين وكل الذي فوق التراب تراب

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت