فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 119

وهذه الخصيصة من أهم الخصائص، فالله تعالى هو الذي فرض الصيام، فلم يفرضه نبي مرسل، أو ملك مقرب، ولا دخل لأي مخلوق أيًا كان في فرض الصيام، فهو الفريضة الربانية التي فرضها الله تعالى على المسلمين في أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -، والله تعالى فرض الصيام على من كان قبل أمة محمد عليه الصلاة والسلام، قال العلامة الطاهر بن عاشور: «والصوم بمعنى إقلال الطعام على المقدار الذي يبلغ حد الشبع أو ترك بعض المأكل أصل قديم من أصول التقوى لدى المِلِّيين ولدى الحكماء الإشراقيين، والحكمة الإشراقية مبناها على تزكية النفس بإزالة كدرات البهيمية عنها بقدر الإمكان بناء على أن للإنسان قوتين: إحداهما روحانية منبثة في قرارتها من الحواس الباطنية، والأخرى حيوانية منبثة في قرارتها من الأعضاء الجسمانية كلها، وإذ كان الغذاء يَخْلُفُ للجسد ما يضيعه من قوته الحيوانية إضاعة تنشأ عن العمل الطبيعي للأعضاء الرئيسية وغيرها، فلا جرم كانت زيادة الغذاء على القدر المحتاج إليه توفر للجسم من القوة الحيوانية فوق ما يحتاجه، وكان نقصانه يقتر عليه منها إلى أن يبلغ إلى المقدار الذي لا يمكن حفظ الحياة بدونه، وكان تغلب مظهر إحدى القوتين بمقدار تضاؤل مظهر القوة الأخرى، فلذلك وجدوا أن ضعف القوة الحيوانية يقلل معمولها فتتغلب القوة الروحانية على الجسد ويتدرج به الأمر حتى يصير صاحب هذه الحال أقرب إلى الأرواح والمجردات منه إلى الحيوان، بحيث يصير لا حظ له في الحيوانية إلا حياة الجسم الحافظة لبقاء الروح فيه، ولذلك لزم تعديل مقدار هذا التناقص بكيفية لا تفضي إلى اضمحلال الحياة، لأن ذلك يضيع المقصود من تزكية النفس وإعدادها للعوالم الأخروية، فهذا التعادل والترجيح بين القوتين هو أصل مشروعية الصيام في الملل، ووضعيته في حكمة الإشراق، وفي كيفيته تختلف الشرائع اختلافًا مناسبًا للأحوال المختصة هي بها بحيث لا يفوت المقصد من الحياتين، ولا شك أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت