الصفحة 9 من 10

تَنَوُّعَ الشَّرْعِ لِهَؤُلَاءِ وَانْتِقَالَهُ لَمْ يَكُنْ لِتَنَوُّعِ نَفْسِ الْأَمْرِ النَّازِلِ عَلَى الرَّسُولِ وَلَكِنَّ تَنَوُّعَ أَحْوَالِهِمْ وَهُوَ: إدْرَاكُ هَذَا لِمَا بَلَغَهُ مِنْ الْوَحْيِ سَمْعًا وَعَقْلًا وَعَجْزُ الْآخَرِ عَنْ إدْرَاكِ ذَلِكَ الْبَلَاغِ إمَّا سَمْعًا لِعَدَمِ تَمَكُّنِهِ مِنْ سَمَاعِ ذَلِكَ النَّصِّ وَإِمَّا عَقْلًا لِعَدَمِ فَهْمِهِ لِمَا فَهِمَهُ الْأَوَّلُ مِنْ النَّصِّ وَإِذَا كَانَ عَاجِزًا سَقَطَ عَنْهُ الْإِثْمُ فِيمَا عَجَزَ عَنْهُ وَقَدْ يَتَبَيَّنُ لِأَحَدِهِمَا عَجْزُ الْآخَرِ وَخَطَؤُهُ وَيَعْذُرُهُ فِي ذَلِكَ وَقَدْ لَا يَتَبَيَّنُ لَهُ عَجْزُهُ ؛ وَقَدْ لَا يَتَبَيَّنُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا أَيُّهُمَا الَّذِي أَدْرَكَ الْحَقَّ وَأَصَابَهُ ؟ وَلِهَذَا امْتَنَعَ مَنْ امْتَنَعَ مِنْ تَسْمِيَةِ مِثْلِ هَذَا خَطَأً قَالَ: لِأَنَّ التَّكْلِيفَ مَشْرُوطٌ بِالْقُدْرَةِ فَمَا عَجَزَ عَنْهُ مِنْ الْعِلْمِ لَمْ يَكُنْ حُكْمُ اللَّهِ فِي حَقِّهِ فَلَا يُقَالُ: أَخْطَأَهُ . وَأَمَّا الْجُمْهُورُ فَيَقُولُونَ: أَخْطَأَهُ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ لَكِنْ خَطَؤُهُ مَعْذُورٌ فِيهِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: عَجَزَ عَنْ إدْرَاكِهِ وَعِلْمِهِ لَكِنْ هَذَا لَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ ذَاكَ هُوَ مُرَادُ اللَّهِ وَمَأْمُورُهُ ؛ فَإِنَّ عَجْزَ الْإِنْسَانِ عَنْ فَهْمِ كَلَامِ الْعَالِمِ لَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَرَادَ بِكَلَامِهِ ذَلِكَ الْمَعْنَى وَأَنْ يَكُونَ الَّذِي فَهِمَهُ هُوَ الْمُصِيبُ الَّذِي لَهُ الْأَجْرَانِ . وَلِهَذَا تَنَازَعَ أَصْحَابُنَا فِيمَنْ لَمْ يُصِبْ الْحُكْمَ الْبَاطِنَ: هَلْ يُقَالُ: إنَّهُ مُصِيبٌ فِي الظَّاهِرِ ؛ لِكَوْنِهِ أَدَّى الْوَاجِبَ الْمَقْدُورَ عَلَيْهِ مِنْ اجْتِهَادِهِ وَاقْتِصَارِهِ ؟ أَوْ لَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْإِصَابَةِ بِحَالِ وَإِنْ كَانَ لَهُ أَجْرٌ عَلَى اجْتِهَادِهِ وَقَصْدِهِ الْحَقَّ ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ هُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَد وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يُصِبْ الْحُكْمَ الْبَاطِنَ وَلَكِنْ قَصَدَ الْحَقَّ وَهَلْ اجْتَهَدَ الِاجْتِهَادَ الْمَأْمُورَ بِهِ ؟ التَّحْقِيقُ: أَنَّهُ اجْتَهَدَ الِاجْتِهَادَ الْمَقْدُورَ عَلَيْهِ فَهُوَ مُصِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ جِهَةِ الْمَأْمُورِ الْمَقْدُورِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُصِيبًا مِنْ جِهَةِ إدْرَاكِ الْمَطْلُوبِ وَفِعْلُ الْمَأْمُورِ الْمُطْلَقِ . يُوَضِّحُ ذَلِكَ أَنَّ السُّلْطَانَ نَوْعَانِ: سُلْطَانُ الْحُجَّةِ وَالْعِلْمِ وَهُوَ أَكْثَرُ مَا سُمِّيَ فِي الْقُرْآنِ سُلْطَانًا حَتَّى رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ كُلَّ سُلْطَانٍ فِي الْقُرْآنِ فَهُوَ الْحُجَّةُ . وَالثَّانِي سُلْطَانُ الْقُدْرَةِ . وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ لَا يَقُومُ إلَّا بِالسُّلْطَانَيْنِ فَإِذَا ضَعُفَ سُلْطَانُ الْحُجَّةِ كَانَ الْأَمْرُ بِقَدْرِهِ وَإِذَا ضَعُفَ سُلْطَانُ الْقُدْرَةِ كَانَ الْأَمْرُ بِحَسَبِهِ وَالْأَمْرُ مَشْرُوطٌ بِالْقُدْرَةِ عَلَى السُّلْطَانَيْنِ فَالْإِثْمُ يَنْتَفِي عَنْ الْأَمْرِ بِالْعَجْزِ عَنْ كُلٍّ مِنْهُمَا . وَسُلْطَانُ اللَّهِ فِي الْعِلْمِ هُوَ الرِّسَالَةُ وَهُوَ حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: { لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ } وَقَالَ تَعَالَى: { إنْ هِيَ إلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ } وَقَالَ: { أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ } وَنَظَائِرُهُ مُتَعَدِّدَةٌ . فَالْمَذَاهِبُ وَالطَّرَائِقُ وَالسِّيَاسَاتُ لِلْعُلَمَاءِ وَالْمَشَايِخِ وَالْأُمَرَاءِ إذَا قَصَدُوا بِهَا وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى دُونَ الْأَهْوَاءِ لِيَكُونُوا مُسْتَمْسِكِينَ بِالْمِلَّةِ وَالدِّينِ الْجَامِعِ الَّذِي هُوَ عِبَادَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَاتَّبَعُوا مَا أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ مِنْ الْكِتَاب وَالسُّنَّةِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ بَعْدَ الِاجْتِهَادِ التَّامِّ: هِيَ لَهُمْ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ بِمَنْزِلَةِ الشَّرْعِ وَالْمَنَاهِجِ لِلْأَنْبِيَاءِ وَهُمْ مُثَابُونَ عَلَى ابْتِغَائِهِمْ وَجْهَ اللَّهِ وَعِبَادَتِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَهُوَ الدِّينُ الْأَصْلِيُّ الْجَامِعُ كَمَا يُثَابُ الْأَنْبِيَاءُ عَلَى عِبَادَتِهِمْ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَيُثَابُونَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فِيمَا تَمَسَّكُوا بِهِ لَا مِنْ شِرْعَةِ رَسُولِهِ وَمِنْهَاجِهِ كَمَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت