فهرس الكتاب

الصفحة 101 من 106

رَأَوْهُمْ أَوْ تَيَقَّنُوا وُجُودَهُمْ خَضَعُوا لَهُمْ . وَحِزْبٌ عَرَفُوهُمْ وَرَجَعُوا إلَى الْقَدَرِ وَاعْتَقَدُوا أَنَّ ثَمَّ فِي الْبَاطِنِ طَرِيقًا إلَى اللَّهِ غَيْرَ طَرِيقَةِ الْأَنْبِيَاءِ . وَحِزْبٌ مَا أَمْكَنَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوا أَوْلِيَاءَ اللَّهِ خَارِجِينَ عَنْ دَائِرَةِ الرَّسُولِ فَقَالُوا: يَكُونُ الرَّسُولُ هُوَ مُمِدًّا لِلطَّائِفَتَيْنِ لِهَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ فَهَؤُلَاءِ مُعَظِّمُونَ لِلرَّسُولِ جَاهِلُونَ بِدِينِهِ وَشَرْعِهِ وَاَلَّذِينَ قَبْلَهُمْ يُجَوِّزُونَ اتِّبَاعَ دِينٍ غَيْرِ دِينِهِ وَطَرِيقٍ غَيْرِ طَرِيقِهِ . وَكَانَتْ هَذِهِ الْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ بِدِمَشْقَ لَمَّا فُتِحَتْ عَكَّا ثُمَّ تَبَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ هَؤُلَاءِ مِنْ أَتْبَاعِ الشَّيَاطِينِ وَأَنَّ رِجَالَ الْغَيْبِ هُمْ الْجِنُّ وَأَنَّ الَّذِينَ مَعَ الْكُفَّارِ شَيَاطِينُ وَأَنَّ مَنْ وَافَقَهُمْ مِنْ الْإِنْسِ فَهُوَ مِنْ جِنْسِهِمْ شَيْطَانٌ مِنْ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ أَعْدَاءِ الْأَنْبِيَاءِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا } . وَكَانَ سَبَبُ الضَّلَالِ عَدَمَ الْفُرْقَانِ بَيْنَ أَوْلِيَاءِ الرَّحْمَنِ وَأَوْلِيَاءِ الشَّيْطَانِ وَأَصْلُهُ قَوْلُ الجهمية الَّذِينَ يُسَوُّونَ بَيْنَ الْمَخْلُوقَاتِ فَلَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْمَحْبُوبِ وَالْمَسْخُوطِ ثُمَّ إنَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ جَرَتْ أُمُورٌ يَطُولُ وَصْفُهَا . وَلَمَّا جَاءَ قازان وَقَدْ أَسْلَمَ دِمَشْقُ انْكَشَفَتْ أُمُورٌ أُخْرَى فَظَهَرَ أَنَّ اليونسية كَانُوا قَدْ ارْتَدُّوا وَصَارُوا كُفَّارًا مَعَ الْكُفَّارِ . وَحَضَرَ عِنْدِي بَعْضُ شُيُوخِهِمْ وَاعْتَرَفَ بِالرِّدَّةِ عَنْ الْإِسْلَامِ وَحَدَّثَنِي بِفُصُولِ كَثِيرَةٍ فَقُلْت لَهُ لَمَّا ذَكَرَ لِي احْتِجَاجَهُمْ بِمَا جَاءَهُمْ مِنْ أَمْرِ الرَّسُولِ: فَهَبْ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ كَأَهْلِ بَغْدَادَ كَانُوا قَدْ عَصَوْا وَكَانَ فِي بَغْدَادَ بِضْعَةَ عَشَرَ بَغِيًّا فَالْجَيْشُ الْكُفَّارُ الْمُشْرِكُونَ الَّذِينَ جَاءُوا كَانُوا شَرًّا مِنْ هَؤُلَاءِ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ كُنَّ يَزْنِينَ اخْتِيَارًا فَأَخَذَ أُولَئِكَ الْمُشْرِكُونَ عَشَرَاتِ الْأُلُوفِ مِنْ حَرَائِرِ الْمُسْلِمِينَ وَسَرَارِيهِمْ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِمْ وَرَدُّوهُمْ عَنْ الْإِسْلَامِ إلَى الْكُفْرِ وَأَظْهَرُوا الشِّرْكَ وَعِبَادَةَ الْأَصْنَامِ وَدِينَ النَّصَارَى وَتَعْظِيمَ الصَّلِيبِ حَتَّى بَقِيَ الْمُسْلِمُونَ مَقْهُورِينَ مَعَ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ مَعَ تَضَاعِيفِ مَا كَانَ يَفْعَلُ مِنْ الْمَعَاصِي فَهَلْ يَأْمُرُ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا وَيَرْضَى بِهَذَا فَتَبَيَّنَ لَهُ وَقَالَ: لَا وَاَللَّهِ وَأَخْبَرَنِي عَنْ رِدَّةِ مَنْ ارْتَدَّ مِنْ الشُّيُوخِ عَنْ الْإِسْلَامِ لَمَّا كَانَتْ شَيَاطِينُ الْمُشْرِكِينَ تُكْرِهُهُمْ عَلَى الرِّدَّةِ فِي الْبَاطِنِ وَتُعَذِّبُهُمْ إنْ لَمْ يَرْتَدُّوا فَقُلْت كَانَ هَذَا لِضَعْفِ إيمَانِهِمْ وَتَوْحِيدِهِمْ وَالْمَادَّةِ الَّتِي يَشْهَدُونَهَا مِنْ جِهَةِ الرَّسُولِ وَإِلَّا فَالشَّيَاطِينُ لَا سُلْطَانَ لَهُمْ عَلَى قُلُوبِ الْمُوَحِّدِينَ وَهَذَا وَأَمْثَالُهُ مَا كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ شَيَاطِينُ بَلْ أَنَّهُمْ رِجَالٌ مِنْ رِجَالِ الْغَيْبِ الْإِنْسِ وَكَّلَهُمْ اللَّهُ بِتَصْرِيفِ الْأَمْرِ فَبَيَّنْت لَهُمْ أَنَّ رِجَالَ الْغَيْبِ هُمْ الْجِنُّ كَمَا قَالَ تَعَالَى: { وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا } وَمَنْ ظَنَّ أَنَّهُمْ إنْسٌ فَمِنْ جَهْلِهِ وَغَلَطِهِ فَإِنَّ الْإِنْسَ يُؤْنِسُونَ أَيْ يَشْهَدُونَ وَيَرَوْنَ ؛ إنَّمَا يَحْتَجِبُ الْإِنْسِيُّ أَحْيَانًا لَا يَكُونُ دَائِمًا مُحْتَجِبًا عَنْ أَبْصَارِ الْإِنْسِ ؛ بِخِلَافِ الْجِنِّ فَإِنَّهُمْ كَمَا قَالَ اللَّهُ { إنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ } . وَكَانَ غَيْرَ هَذَا مِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ يَذْكُرُ عَنْ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ السَّكْرَانِ أَنَّ"هُولَاكُو"مَلِكَ الْمُشْرِكِينَ لَمَّا دَخَلَ بَغْدَادَ رَأَى ابْنَ السَّكْرَانِ شَيْخًا مَحْلُوقَ الرَّأْسِ عَلَى صُورَةِ شَيْخٍ مِنْ مَشَايِخِ الدِّينِ وَالطَّرِيقِ آخِذًا بِفَرَسِ هُولَاكُو قَالَ: فَلَمَّا رَأَيْته أَنْكَرْت هَذَا وَاسْتَعْظَمْت أَنْ يَكُونَ شَيْخٌ مِنْ شُيُوخِ الْمُسْلِمِينَ يَقُودُ فَرَسَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت