عَلَيْهِ ظَاهِرُ الْآيَةِ ؛ بَلْ قَدْ لَا يُفْهَمُ مِنْهَا وَقَدْ فَهِمَهُ مِنْهَا قَوْمٌ فَيُسَمُّونَ مَا رَفَعَ ذَلِكَ الْإِبْهَامَ وَالْإِفْهَامَ نَسْخًا [ و ] هَذِهِ التَّسْمِيَةُ لَا تُؤْخَذُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ . وَأَصْلُ ذَلِكَ [ مِنْ إلْقَاءِ ] الشَّيْطَانِ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ فَمَا أَلْقَاهُ الشَّيْطَانُ فِي الْأَذْهَانِ مِنْ ظَنِّ دَلَالَةِ الْآيَةِ عَلَى مَعْنًى لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ سَمَّى هَؤُلَاءِ مَا يَرْفَعُ ذَلِكَ الظَّنَّ نَسْخًا كَمَا سَمَّوْا قَوْلَهُ: { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ } نَاسِخًا لِقَوْلِهِ: { اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ } وَقَوْلَهُ: { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا } نَاسِخًا لِقَوْلِهِ: { وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ } وَأَمْثَالَ ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ بَسْطِهِ . إذْ الْمَقْصُودُ أَنَّهُمْ كَانُوا مُتَّفِقِينَ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ لَا يُعَارِضُهُ إلَّا قُرْآنٌ لَا رَأْيٌ وَمَعْقُولٌ وَقِيَاسٌ وَلَا ذَوْقٌ وَوَجْدٌ وَإِلْهَامٌ وَمُكَاشَفَةٌ . وَكَانَتْ الْبِدَعُ الْأُولَى مِثْلُ"بِدْعَة الْخَوَارِجِ"إنَّمَا هِيَ مِنْ سُوءِ فَهْمِهِمْ لِلْقُرْآنِ لَمْ يَقْصِدُوا مُعَارَضَتَهُ لَكِنْ فَهِمُوا مِنْهُ مَا لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ فَظَنُّوا أَنَّهُ يُوجِبُ تَكْفِيرَ أَرْبَابِ الذُّنُوبِ ؛ إذْ كَانَ الْمُؤْمِنُ هُوَ الْبَرَّ التَّقِيَّ . قَالُوا: فَمَنْ لَمْ يَكُنْ بَرًّا تَقِيًّا فَهُوَ كَافِرٌ وَهُوَ مُخَلَّدٌ فِي النَّارِ . ثُمَّ قَالُوا: وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَمَنْ وَالَاهُمَا لَيْسُوا بِمُؤْمِنِينَ ؛ لِأَنَّهُمْ حَكَمُوا بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَكَانَتْ بِدْعَتُهُمْ لَهَا مُقَدِّمَتَانِ ."الْوَاحِدَةُ"أَنَّ مَنْ خَالَفَ الْقُرْآنَ بِعَمَلِ أَوْ بِرَأْيٍ أَخْطَأَ فِيهِ فَهُوَ كَافِرٌ ."وَالثَّانِيَةُ"أَنَّ عُثْمَانَ وَعَلِيًّا وَمَنْ وَالَاهُمَا كَانُوا كَذَلِكَ ؛ وَلِهَذَا يَجِبُ الِاحْتِرَازُ مِنْ تَكْفِيرِ الْمُسْلِمِينَ بِالذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا فَإِنَّهُ أَوَّلُ بِدْعَةٍ ظَهَرَتْ فِي الْإِسْلَامِ فَكَفَّرَ أَهْلُهَا الْمُسْلِمِينَ وَاسْتَحَلُّوا دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ فِي ذَمِّهِمْ وَالْأَمْرِ بِقِتَالِهِمْ . قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ صَحَّ فِيهِمْ الْحَدِيثُ مِنْ عَشَرَةِ أَوْجُهٍ ؛ وَلِهَذَا قَدْ أَخْرَجَهَا مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَأَفْرَدَ الْبُخَارِيُّ قِطْعَةً مِنْهَا وَهُمْ مَعَ هَذَا الذَّمِّ إنَّمَا قَصَدُوا اتِّبَاعَ الْقُرْآنِ فَكَيْفَ بِمَنْ تَكُونُ بِدْعَتُهُ مُعَارَضَةَ الْقُرْآنِ وَالْإِعْرَاضَ عَنْهُ وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يُكَفِّرُ الْمُسْلِمِينَ كالجهمية ثُمَّ"الشِّيعَةُ"لَمَّا حَدَثُوا لَمْ يَكُنْ الَّذِي ابْتَدَعَ التَّشَيُّعَ قَصْدُهُ الدِّينُ ؛ بَلْ كَانَ غَرَضُهُ فَاسِدًا وَقَدْ قِيلَ إنَّهُ كَانَ مُنَافِقًا زِنْدِيقًا فَأَصْلُ بِدْعَتِهِمْ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْكَذِبِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَكْذِيبِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ ؛ وَلِهَذَا لَا يُوجَدُ فِي فِرَقِ الْأُمَّةِ مِنْ الْكَذِبِ أَكْثَرُ مِمَّا يُوجَدُ فِيهِمْ بِخِلَافِ الْخَوَارِجِ فَإِنَّهُ لَا يُعْرَفُ فِيهِمْ مَنْ يَكْذِبُ . ( وَالشِّيعَةُ لَا يَكَادُ يُوثَقُ بِرِوَايَةِ أَحَدٍ مِنْهُمْ مِنْ شُيُوخِهِمْ لِكَثْرَةِ الْكَذِبِ فِيهِمْ ؛ وَلِهَذَا أَعْرَضَ عَنْهُمْ أَهْلُ الصَّحِيحِ فَلَا يَرْوِي الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ أَحَادِيثَ عَلِيٍّ إلَّا عَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ كَأَوْلَادِهِ مِثْلِ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ وَمِثْلِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ وَكَاتِبِهِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ أَوْ أَصْحَابِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِمْ مِثْلِ عُبَيْدَةَ السلماني وَالْحَارِثِ التيمي وَقَيْسِ بْنِ عَبَّادٍ وَأَمْثَالِهِمْ ؛ إذْ هَؤُلَاءِ صَادِقُونَ فِيمَا يَرْوُونَهُ عَنْ عَلِيٍّ ؛ فَلِهَذَا أَخْرَجَ أَصْحَابُ الصَّحِيحِ حَدِيثَهُمْ . وَهَاتَانِ الطَّائِفَتَانِ"الْخَوَارِجُ وَالشِّيعَةُ"حَدَثُوا بَعْدَ مَقْتَلِ عُثْمَانَ وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُثْمَانَ فِي السَّنَةِ الْأُولَى مِنْ وِلَايَتِهِ مُتَّفِقِينَ لَا تَنَازُعَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ حَدَثَ فِي أَوَاخِرِ خِلَافَةِ عُثْمَانَ أُمُورٌ أَوْجَبَتْ