فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 106

ظَاهِرًا - وَأَمَّا الِاسْتِصْحَابُ فَالِاسْتِصْحَابُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ مِنْ أَضْعَفِ الْأَدِلَّةِ - وَهُمْ فِي كَثِيرٍ مِمَّا يَحْتَجُّونَ بِهِ قَدْ لَا يَكُونُ مَا احْتَجُّوا بِهِ ظَاهِرَ اللَّفْظِ ؛ بَلْ الظَّاهِرُ خِلَافُهُ ؛ فَطَائِفَةٌ قَالَتْ: لَمَّا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ الْعَمَلِ بِالظَّنِّ الرَّاجِحِ كُنَّا مُتَّبِعِينَ لِلْعِلْمِ فَنَحْنُ نَعْمَلُ بِالْعِلْمِ عِنْدَ وُجُودِ الْعِلْمِ لَا نَعْمَلُ بِالظَّنِّ وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ وَأَتْبَاعِهِ . وَهُنَا السُّؤَالُ الْمَشْهُورُ فِي"حَدِّ الْفِقْهِ": أَنَّهُ الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْعَمَلِيَّةِ وَقَالَ الرازي: الْعِلْمُ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْعَمَلِيَّةِ الْمُسْتَدَلِّ عَلَى أَعْيَانِهَا بِحَيْثُ لَا يُعْلَمُ كَوْنُهَا مِنْ الدِّينِ ضَرُورَةً قَالَ: فَإِنْ قُلْت: الْفِقْهُ مِنْ بَابِ الظُّنُونِ فَكَيْفَ جَعَلْته عِلْمًا ؟ قُلْت: الْمُجْتَهِدُ إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ مُشَارَكَةُ صُورَةٍ لِصُورَةِ فِي مَنَاطِ الْحُكْمِ قَطَعَ بِوُجُوبِ الْعَمَلِ بِمَا أَدَّى إلَيْهِ ظَنُّهُ فَالْعِلْمُ حَاصِلٌ قَطْعًا وَالظَّنُّ وَاقِعٌ فِي طَرِيقِهِ وَحَقِيقَةُ هَذَا الْجَوَابِ أَنَّ هُنَا مُقَدِّمَتَيْنِ ( إحْدَاهُمَا أَنَّهُ قَدْ حَصَلَ عِنْدِي ظَنٌّ و ( الثَّانِيَةُ قَدْ قَامَ الدَّلِيلُ الْقَطْعِيُّ عَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِ هَذَا الظَّنِّ . ف"الْمُقَدِّمَةُ الْأُولَى"وِجْدَانِيَّةٌ و"الثَّانِيَةُ"عَمَلِيَّةٌ اسْتِدْلَالِيَّةٌ ؛ فَلَيْسَ الظَّنُّ هُنَا مُقَدِّمَةً فِي الدَّلِيلِ كَمَا تَوَهَّمَهُ بَعْضُهُمْ لَكِنْ يُقَالُ: الْعَمَلُ بِهَذَا الظَّنِّ هُوَ حُكْمُ أُصُولِ الْفِقْهِ لَيْسَ هُوَ الْفِقْهَ بَلْ الْفِقْهُ هُوَ ذَاكَ الظَّنُّ الْحَاصِلُ بِالظَّاهِرِ ؛ وَخَبَرُ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسُ وَالْأُصُولُ تُفِيدُ أَنَّ الْعَمَلَ بِهَذَا الظَّنِّ وَاجِبٌ وَإِلَّا فَالْفُقَهَاءُ لَا يَتَعَرَّضُونَ لِهَذَا فَهَذَا الْحُكْمُ الْعَمَلِيُّ الْأُصُولِيُّ لَيْسَ هُوَ الْفِقْهَ وَهَذَا الْجَوَابُ جَوَابُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ وَهُوَ بَنَاهُ عَلَى أَصْلِهِ فَإِنَّ عِنْدَهُ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ وَلَيْسَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ أَمْرٌ مَطْلُوبٌ وَلَا عَلَى الظَّنِّ دَلِيلٌ يُوجِبُ تَرْجِيحَ ظَنٍّ عَلَى ظَنٍّ ؛ بَلْ الظُّنُونُ عِنْدَهُ بِحَسَبِ الِاتِّفَاقِ . وَقَالَ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ مِمَّنْ نَصَرَ قَوْلَهُ: قَدْ يَكُونُ بِحَسَبِ مَيْلِ النَّفْسِ إلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ دُونَ الْآخَرِ كَمَيْلِ ذِي الشِّدَّةِ إلَى قَوْلٍ وَذِي اللِّينِ إلَى قَوْلٍ . وَحِينَئِذٍ فَعِنْدَهُمْ مَتَى وَجَدَ الْمُجْتَهِدُ ظَنًّا فِي نَفْسِهِ فَحُكْمُ اللَّهِ فِي حَقِّهِ اتِّبَاعُ هَذَا الظَّنِّ وَقَدْ أَنْكَرَ أَبُو الْمَعَالِي وَغَيْرُهُ عَلَيْهِ هَذَا الْقَوْلَ إنْكَارًا بَلِيغًا وَهُمْ مَعْذُورُونَ فِي إنْكَارِهِ فَإِنَّ هَذَا أَوَّلًا مُكَابَرَةٌ فَإِنَّ الظُّنُونَ عَلَيْهَا أَمَارَاتٌ وَدَلَائِلُ يُوجِبُ وُجُودُهَا تَرْجِيحَ ظَنٍّ عَلَى ظَنٍّ وَهَذَا أَمْرٌ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ وَالشَّرِيعَةُ جَاءَتْ بِهِ وَرَجَّحَتْ شَيْئًا عَلَى شَيْءٍ وَالْكَلَامُ فِي شَيْئَيْنِ: فِي اتِّبَاعِ الظَّنِّ وَفِي الْفِقْهِ هَلْ هُوَ مِنْ الظُّنُونِ ؟ أَمَّا الْأَوَّلُ: فَالْجَوَابُ الصَّحِيحُ هُوَ الْجَوَابُ الثَّالِثُ وَهُوَ أَنَّ كُلَّ مَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ فَإِنَّمَا أَمَرَ بِالْعِلْمِ وَذَلِكَ أَنَّهُ فِي الْمَسَائِلِ الْخَفِيَّةِ عَلَيْهِ أَنْ يَنْظُرَ فِي الْأَدِلَّةِ وَيَعْمَلَ بِالرَّاجِحِ وَكَوْنُ هَذَا هُوَ الرَّاجِحُ أَمْرٌ مَعْلُومٌ عِنْدَ أَمْرٍ مَقْطُوعٍ بِهِ وَإِنْ قُدِّرَ أَنَّ تَرْجِيحَ هَذَا عَلَى هَذَا فِيهِ شَكٌّ عِنْدَهُ لَمْ يَعْمَلْ بِهِ وَإِذَا ظَنَّ الرُّجْحَانَ فَإِنَّمَا ظَنُّهُ لِقِيَامِ دَلِيلٍ عِنْدَهُ عَلَى أَنَّ هَذَا رَاجِحٌ وَفَرْقٌ بَيْنَ اعْتِقَادِ الرُّجْحَانِ وَرُجْحَانِ الِاعْتِقَادِ أَمَّا اعْتِقَادُ الرُّجْحَانِ فَقَدْ يَكُونُ عِلْمًا وَقَدْ لَا يَعْمَلُ حَتَّى يَعْلَمَ الرُّجْحَانَ وَإِذَا ظَنَّ الرُّجْحَانَ أَيْضًا فَلَا بُدَّ أَنْ يَظُنَّهُ بِدَلِيلِ يَكُونُ عِنْدَهُ أَرْجَحَ مِنْ دَلِيلِ الْجَانِبِ الْآخَرِ وَرُجْحَانُ هَذَا غَيْرُ مَعْلُومٍ فَلَا بُدَّ أَنْ يَنْتَهِيَ الْأَمْرُ إلَى رُجْحَانٍ مَعْلُومٍ عِنْدَهُ فَيَكُونُ مُتَّبِعًا لِمَا عَلِمَ أَنَّهُ أَرْجَحُ وَهَذَا اتِّبَاعٌ لِلْعِلْمِ لَا لِلظَّنِّ وَهُوَ اتِّبَاعُ الْأَحْسَنِ كَمَا قَالَ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت