فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 106

وَغَيْرِهِ وَكَذَلِكَ قَالَ الخرقي: وَمَنْ صَلَّى خَلْفَ مَنْ يَجْهَرُ بِبِدْعَةِ أَوْ مُنْكَرٍ أَعَادَ وَبَسْطُ هَذَا لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ . وَاَلَّذِينَ فَرَّقُوا بَيْنَ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ لَمْ يَذْكُرُوا ضَابِطًا يُمَيِّزُ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ بَلْ تَارَةً يَقُولُونَ: هَذَا قَطْعِيٌّ وَهَذَا ظَنِّيٌّ وَكَثِيرٌ مِنْ مَسَائِلِ الْأَحْكَامِ قَطْعِيٌّ وَكَثِيرٌ مِنْ مَسَائِلِ الْأُصُولِ ظَنِّيٌّ عِنْدَ بَعْضِ النَّاسِ فَإِنَّ كَوْنَ الشَّيْءِ قَطْعِيًّا وَظَنِّيًّا أَمْرٌ إضَافِيٌّ وَتَارَةً يَقُولُونَ: الْأُصُولُ هِيَ الْعِلْمِيَّاتُ الْخَبَرِيَّاتُ وَالْفُرُوعُ الْعَمَلِيَّاتُ وَكَثِيرٌ مِنْ الْعَمَلِيَّاتِ مَنْ جَحَدَهَا كَفَرَ كَوُجُوبِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ وَتَارَةً يَقُولُونَ: هَذِهِ عَقْلِيَّاتٌ وَهَذِهِ سَمْعِيَّاتٌ وَإِذَا كَانَتْ عَقْلِيَّاتٍ لَمْ يَلْزَمْ تَكْفِيرُ الْمُخْطِئِ فَإِنَّ الْكُفْرَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ يَتَعَلَّقُ بِالشَّرْعِ وَقَدْ بُسِطَ هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ . وَإِذَا تَدَبَّرَ الْإِنْسَانُ تَنَازُعَ النَّاسِ وَجَدَ عِنْدَ كُلِّ طَائِفَةٍ مِنْ الْعِلْمِ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْأُخْرَى كَمَا فِي مَسَائِلِ الْأَحْكَامِ . مِثَالُ ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ فِي الْأُصُولِ الْخَمْسَةِ: التَّوْحِيدِ وَالْعَدْلِ وَالْمَنْزِلَةِ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ وَمَسَائِلِ الْأَسْمَاءِ وَالْأَحْكَامِ وَإِنْفَاذِ الْوَعِيدِ وَهِيَ الَّتِي تُوَالِي الْمُعْتَزِلَةُ مَنْ وَافَقَهُمْ عَلَيْهَا وَيَتَبَرَّءُونَ مِمَّنْ خَالَفَهُمْ فِيهَا وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُمْ قَصَدُوا تَوْحِيدَ الرَّبِّ وَإِثْبَاتَ عَدْلِهِ وَحِكْمَتِهِ وَرَحْمَتِهِ وَصِدْقِهِ وَطَاعَةَ أَمْرِهِ لَكِنْ غَلِطُوا فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ كَمَا تَقَدَّمَ . وَكَذَلِكَ الَّذِينَ نَاقَضُوهُمْ مِنْ الجهمية وَمَنْ سَلَكَ مَسْلَكَهُمْ كَأَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ وَأَصْحَابِهِ - فَإِنَّهُمْ نَاقَضُوهُمْ فِي الْأُصُولِ الْخَمْسَةِ وَكَانَ عِنْدَهُمْ عِلْمٌ لَيْسَ عِنْدَ أُولَئِكَ وَكَانَ عِنْدَ أُولَئِكَ عِلْمٌ لَيْسَ عِنْدَ هَؤُلَاءِ وَكُلٌّ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ لَمْ تُحِطْ عِلْمًا بِمَا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ بَيَانِ هَذِهِ الْأُمُورِ ؛ بَلْ عَلِمُوا بَعْضًا وَجَهِلُوا بَعْضًا ؛ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ الْمُجَبِّرَةَ هُمْ فِي الْحَقِيقَةِ لَا يُثْبِتُونَ لِلَّهِ عَدْلًا وَلَا حِكْمَةً وَلَا رَحْمَةً وَلَا صِدْقًا . فَأُولَئِكَ قَصَدُوا إثْبَاتَ هَذِهِ الْأُمُورِ . أَمَّا الْعَدْلُ فَعِنْدَهُمْ كُلُّ مُمْكِنٍ فَهُوَ عَدْلٌ وَالظُّلْمُ عِنْدَهُمْ هُوَ الْمُمْتَنِعُ فَلَا يَكُونُ ثَمَّ عَدْلٌ يُقْصَدُ فِعْلُهُ وَظُلْمٌ يُقْصَدُ تَرْكُهُ ؛ وَلِهَذَا يُجَوِّزُونَ عَلَيْهِ فِعْلَ كُلِّ شَيْءٍ وَإِنْ كَانَ قَبِيحًا وَيَقُولُونَ: الْقَبِيحُ هُوَ مَا نُهِيَ عَنْهُ وَهُوَ لَا نَاهِيَ لَهُ وَيُجَوِّزُونَ الْأَمْرَ بِكُلِّ شَيْءٍ وَإِنْ كَانَ مُنْكَرًا وَشِرْكًا وَالنَّهْيَ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ وَإِنْ كَانَ تَوْحِيدًا وَمَعْرُوفًا فَلَا ضَابِطَ عِنْدَهُمْ لِلْفِعْلِ ؛ فَلِهَذَا أَلْزَمُوهُمْ جَوَازَ إظْهَارِ الْمُعْجِزَاتِ عَلَى يَدِ الْكَاذِبِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَنْ ذَلِكَ جَوَابٌ صَحِيحٌ وَلَمْ يَذْكُرُوا فَرْقًا بَيْنَ الْمُعْجِزَاتِ وَغَيْرِهَا وَلَا مَا بِهِ يُعْلَمُ صِدْقُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا إذَا نَقَضُوا أَصْلَهُمْ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: { شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ } وَعِنْدَهُمْ هَذَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ فَلَيْسَ فِي الْمُمْكِنِ قِسْطٌ وَجَوْرٌ حَتَّى يَكُونَ قَائِمًا بِهَذَا دُونَ هَذَا وَقَدْ بُسِطَ هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ . وَكَذَلِكَ"الْحِكْمَةُ"عِنْدَهُمْ لَا يَفْعَلُ لِحِكْمَةِ وَقَدْ فَسَّرُوا"الْحِكْمَةَ"إمَّا بِالْعِلْمِ وَإِمَّا بِالْقُدْرَةِ وَإِمَّا بِالْإِرَادَةِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْقَادِرَ قَدْ يَكُونُ حَكِيمًا وَيَكُونُ غَيْرَ حَكِيمٍ كَذَلِكَ الْمُرِيدُ قَدْ تَكُونُ إرَادَتُهُ حِكْمَةً وَقَدْ تَكُونُ سَفَهًا وَالْعِلْمُ يُطَابِقُ الْمَعْلُومَ سَوَاءٌ كَانَ حِكْمَةً أَوْ سَفَهًا فَلَيْسَ عِنْدَهُمْ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ أَنَّ اللَّهَ حَكِيمٌ وَكَذَلِكَ"الرَّحْمَةُ"مَا عِنْدَهُمْ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ إلَّا إرَادَةُ تَرْجِيحِ أَحَدِ الْمِثْلَيْنِ بِلَا مُرَجِّحٍ نِسْبَتُهَا إلَى نَفْعِ الْعِبَادِ وَضَرَرِهِمْ سَوَاءٌ فَلَيْسَ عِنْدَهُمْ فِي نَفْسِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت