فهرس الكتاب

الصفحة 143 من 335

وهنا، ينشأ اعتراض أو سؤال قد يبدو وجيهًا لأول وهلة، وهو أن الباحث الأدبي والناقد محدودان بحدود عصرهما، وما يشيع فيه من نقد ومناهج نقدية وأجهزة اصطلاحية خاصة بهذه المناهج. أفلا يبدو إذن الطلب من مؤرخ الأدب أو الناقد أن يكون ذا رؤية نقدية أبعد مدى من حدود عصره نوعًا من التعسف؟ إن النظرة المتأنية تثبت أن البصيرة النقدية النافذة التي يمتلكها الناقد أو مؤرخ الأدب الذي يتميز بحسٍ نقدي سليم، لا تستطيع أن تأسرها مناهج النقد ونظمه ومذاهبه، فعلى الرغم من كل ما حققه النقد الأدبي الحديث في عصرنا، من انجازات، فليس بوسع أحد أن يزعم أن الناقد الحديث ذو باع أطول من سلفه الناقد القديم، وإنما يكمن كل تفوق الناقد الحديث في الأساليب والمناهج حسب (2) .

وهذه القراءة هي قراءة لنص أدبي معاصر، تفيد من النقد الجديد وأدواته الإجرائية ومصطلحاته الدقيقة، لتثبت -وعلى عكس ما ذهب إليه عدد من الباحثين- أن"مجنونان"ليست سوى نص أدبي هجين، يومئ إلى عدم معرفة مؤلفه بالصيغة الأدبية، وبأنه لا يختلف كثيرًا عن تلك القصص البدائية التي ألفها كتاب عراقيون في بداية العقد الثاني من القرن العشرين -مثل (الرواية الإيقاظية) لسليمان فيضي 1919م- الذين نهجوا فنيًا لا يميز بين الحكي والتمثيل، مستلهمين هذا النهج من أعمال قصصية عربية تحاول تحديث فن المقامة في الأدب العربي القديم، ولا سيما"حديث عيسى بن هشام"للمويلحي.

وفي الوقت نفسه، فإن هذه القراءة، تعد من جانب آخر، قراءة في الخطاب النقدي في العراق، في عدد من الدراسات الأكاديمية، التي تعد- كما أسلفنا- أقرب إلى تأريخ الأدب منها إلى النقد الأدبي، وبكلمة أدق إلى المناهج النقدية الحديثة المنظمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت